روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٠٢)جامع البيانالطبري٢٣/١٠٢ عن ابن عباس ومجاهد قالا: «{وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}: أي قليل من أمة محمد ﷺ في مرتبة السابقين المقربين».
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
وقال الحافظ ابن كثير: «أي قليل من هذه الأمة بالقياس إلى مجموع الأولين من سائر الأمم؛ وذلك لأن رتبة السبق المطلق رتبة عزيزة لا ينالها إلا من بلغ الذروة في الإيمان والجهاد والإخلاص واليقين كأبي بكر وعمر وخيار الصحابة والمقتدين بهم بإحسان».
ونقل القرطبي عن بعض السلف: «أن هذا القليل يكون في آخر هذه الأمة عند اشتداد الفتن وغربة الدين؛ فالقابض على دينه حينئذ له أجر عظيم ويلحق بركب السابقين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَلِيلٌ}: الواو حرف عطف، قليل معطوف على {ثُلَّةٌ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والقليل ضد الكثير في العدد والكمية.
{مِّنَ}: حرف جر للتبعيض.
{الْآخِرِينَ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وشبه الجملة متعلق بمحذوف نعت لـ{قَلِيلٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الموازنة البلاغية والتقابل العددي:
التقابل النظمي بين {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ} و{وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} يبرز دقة الميزان القرآني؛ فالسبق المطلق قمة سامقة، فلما كانت الأمم السابقة دهوراً متطاولة ورسلاً متتابعين كثر فيها السابقون فصاروا ثلة، ولما كانت هذه الأمة أمة واحدة في آخر الزمان كان السابقون منها قليلاً بالقياس إلى جميع السابقين في التاريخ البشري، وإن كانت هذه الأمة في مجموعها أكثر أهل الجنة كما سيأتي في أصحاب اليمين: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل في قوله {وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} حط من قدر الأمة المحمدية؟
الجواب: حاشا وكلا؛ بل ثبت في الصحيحين أن أمة محمد ﷺ تمثل شطر أهل الجنة بل ثلثيها، ولكن هذه الآية تتحدث حصراً عن طبقة "السابقين المقربين" الذين هم صفوة الصفوة ورأس الهرم الإيماني؛ فأمة واحدة مهما عظمت إذا قورنت بسائر أمم الأنبياء من لدن آدم فإن سابقِيها يكونون قليلاً بالنسبة لجميع سابقي الأمم مجتمعين، وهذا غاية العدل والإنصاف.
الجمع بين لفظي "الثلة" و"القليل" يعطي صورة هندسية واضحة لتوزيع الصفوة في سجل الخلود.
الملمح الإشاري في زمن الغربة:
طوبى للغرباء! هذا القليل من الآخرين هم الذين يثبتون على السنة عند فساد الناس، ويحيون ما مات من معالم الدين، فلهم منزلة السابقين بفضل جهادهم وصبرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحفيز الهمة لمجاوزة الضعف:
إذا علم المؤمن أن السابقين من هذه الأمة قليل، لم يرض لنفسه بالكسل والتسويف، بل شمر وجاهد ليكون من هذا القليل المبارك الذي يتباهى به الملأ الأعلى يوم القيامة.