مأثور التفسير في إعادة الإنشاء لنساء الدنيا والحور:
روى الترمذي في الشمائل المحمدية (رقم ٢٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٠حسن بسند حسن عن الحسن البصري قال: «أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة! فقال: يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ! فولت تبكي، فقال: أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا}».
وروى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٢١)جامع البيانالطبري٢٣/١٢١ عن عائشة وأم سلمة وابن عباس قالوا: «هن عجائز الدنيا وعُمشها ورُمصها، توفاهن الله كباراً عجائز، فأنشأهن الله خلقاً جديداً شوابَّ حساناً بكراً لا يهضمن ولا يكبرن».
وقال قتادة والكلبي: «يشمل نساء الدنيا والحور العين اللاتي خلقهن الله ابتداءً في الجنة خلقاً معجزاً لم يمر بولادة ولا تربية».
قال الحافظ ابن كثير: «أي أعدناهن خلقاً جديداً غير خلقهن في الدنيا؛ فبعد أن كن عجائز ضِعافاً صِرن شوابَّ طاهرات في غاية الجمال والنضارة والبكارة الدائمة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) المدغمة اسمها في محل نصب.
{أَنشَأْنَاهُنَّ}: أنشأ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والنون لجمع الإناث؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
الإنشاء في اللغة: الابتداء والإيجاد والإحداث من العدم؛ أو التحويل إلى خلق جديد لم يسبق له مثيل.
{إِنشَاءً}: مفعول مطلق مؤكد لعامله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والتنكير للتعظيم والتفخيم؛ أي إنشاءً بديعاً خارقاً للعادة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عود الضمير وبلاغة الإيجاز:
الضمير في {أَنشَأْنَاهُنَّ} يعود على نساء الجنة؛ إما المكنى عنهن في قوله {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ}، أو المفهومات من سياق النعيم؛ لأن ذكر الفرش واللذات يستحضر في الأذهان وجود الأزواج، فحسن الإضمار لظهور المعنى في السياق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طلاقة القدرة الإلهية في الإعادة والتحسين:
هذه الآية برهان ساطع على كمال قدرة الله تعالى على إعادة خلق الأجساد؛ فالذي حول العجوز الهرمة والمشوهة في الدنيا إلى بكر شابة فائقة الجمال في لحظة واحدة قادر من باب أولى على بعث العظام الرميمة وإحيائها للحساب والجزاء.
إسناد الفعل إلى ضمير العظمة {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ}.
المفعول المطلق المنون {إِنشَاءً}.
وكل ذلك لتثبيت هذه المعجزة الخالدة في النفوس وإزالة أي عجب من هذا التحول العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بشارة عظيمة للمرأة المؤمنة:
الآية أعظم بشرى لكل امرأة مؤمنة صابرة كبر سنها أو تغير جمالها في الدنيا؛ فلتستبشر بأن الله ينشئها في الآخرة إنشاءً يفيض بالشباب والنور والبهاء الذي يعلو على جمال الحور العين بفضل صلاتها وطاعتها.