قال أئمة التفسير: «هذا هو الركن الثالث من أسباب هلاكهم؛ وهو إنكارهم الصريح للبعث بعد الموت؛ حيث قالوا استهزاءً وإنكاراً: أإذا متنا وتلاشت أجسادنا واستحالت عظاماً نخرة وتراباً في الأرض أإنا لمبعوثون بعد ذلك أحياءً؟ يعنون: هذا أمر مستحيل لا يصدقه عقل بزعمهم».
قال الحافظ ابن كثير: «أي كانوا يستبعدون ذلك ويكذبون به تكذيب استحالة واستنكار، قائلين بجهلهم: كيف يعود الإنسان حياً بعد أن يبلى ويصير تراباً؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكَانُوا}: الواو حرف عطف، كان واسمها.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان.
{أَئِذَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، إذا ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المحذوف المدلول عليه بـ{لَمَبْعُوثُونَ}.
{مِتْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و(نا) فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ(إذا).
{وَكُنَّا}: الواو حالية أو عاطفة، كان واسمها.
{تُرَابًا}: خبر كان أول منصوب بالفتحة.
{وَعِظَامًا}: معطوف على تراباً منصوب بالفتحة.
{أَئِنَّا}: الهمزة للإنكار والاستبعاد وتكريرها للتوكيد، إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{لَمَبْعُوثُونَ}: اللام المزحلقة، مبعوثون خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم. والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل شبهتهم الكبرى بعد بيان ترفهم وشركهم:
ترتبت الآيات في نسق منطقي دقيق:
ترفهم أعماهم عن التدبر.
فأصروا على الشرك والحنث العظيم.
وانتهى بهم المطاف إلى إنكار البعث والجزاء: {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا...}.
لأن منكري البعث إنما ينكرونه ليتخلصوا من وخز الضمير ومسؤولية الحساب على شهواتهم وترفهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهافت شبهة الاستبعاد العقلي للبعث:
قاس المشركون قدرة الله غير المحدودة على قدرة الإنسان العاجزة؛ فقالوا: نحن لا نقدر على جمع التراب وإحيائه، فكذلك لا يقدر عليه أحد! وهذا جهل مطبق؛ فالذي خلق الإنسان أول مرة من العدم ولم يكن شيئاً مذكوراً قادر من باب أولى على إعادة تجميعه بعد تفرقه وبلاه.
تكرار الاستفهامين {أَئِذَا} و{أَئِنَّا} مع إدخال إن واللام المزحلقة {لَمَبْعُوثُونَ} يصور عنادهم المطلق واستماتتهم في نفي البعث بكل وسيلة كلامية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاكمة الأفكار المادية المعاصرة:
شبهة كفار قريش هي بعينها شبهة الماديين والملاحدة في كل عصر؛ حيث يقفون عند حدود المحسوس المادي وينكرون قدرة الخالق على الإعادة؛ والمؤمن يثبت باليقين أن الله على كل شيء قدير.