أخرج ابن جرير الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٠)جامع البيانالطبري٢٣/٩٠ بسنده الصحيح عن عبد الله بن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} قالوا: «الواقعة اسم من أسماء القيامة والحساب، سميت بذلك لتحقق وقوعها وثبوتها ونزولها لا محالة؛ فكل ما هو آتٍ واقع».
وقال قتادة: «وقعت: قامت القيامة، ونزلت القارعة، وحقت الحاقة».
قال الحافظ ابن كثير: «الواقعة علم على القيامة كالحاقة والقارعة والغاشية والطامة والصاخة؛ وسميت واقعة لقربها وتحقق كونها وشدة أهوالها عند حلولها».
وقال الإمام القرطبي: «افتتح الله السورة بهذا الاسم الفخم ترعيباً للقلوب وتثبيتاً لحقيقة البعث الذي كذبت به قريش».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِذَا}: ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، متضمن معنى الشرط؛ وجواب الشرط محذوف تقديره: (فاز المؤمنون وشقي الكافرون)، أو (تغير العالم وانقلبت الموازين)، أو جوابه قوله تعالى: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} على تقدير: خفضت ورفعت.
{وَقَعَتِ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث كُسرت لالتقاء الساكنين؛ وأصل الوقوع في لغة العرب: السقوط والحلول والنزول بثقل وجزم؛ يقال: وقع الحائط إذا انهار وسقط، ووقع الأمر إذا ثبت وتحقق؛ فاستعمال الفعل الماضي هنا للدلالة على التحقق واليقين التام كأنه وقع وانقضى.
{الْوَاقِعَةُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وهو اسم فاعل جرى مجرى الأسماء الأعلام للغلبة؛ كـ(الداهية) و(الحادثة) و(الصاعقة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال وإيقاظ الأسماع:
افتتاح السورة بهذا الأسلوب الشرطي الهادر يلقي في النفس هيبة عظمى ويشد الانتباه لمعرفة ما يترتب على هذا الوقوع الهائل.
التناسب مع ختام سورة الرحمن: ختمت الرحمن بقوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، وافتتحت الواقعة ببيان اليوم الذي يظهر فيه تمام هذا الجلال بالقهر والعذاب، وتمام هذا الإكرام بالجنة والنعيم؛ فالواقعة هي مسرح إظهار الجلال والإكرام الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على منكري البعث:
كان المشركون يقولون: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، فجاء الرد بصيغة {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} لقطع الجدل باليقين الصارم؛ إذ عبر بالماضي {وَقَعَتِ} تأكيداً على أن البعث في علم الله وقدرته أمر محتوم لا مدخل للشك فيه، فما هو كائن لا محالة يُعامل معاملة الماضي المتحقق.
التعبير بـ{الْوَاقِعَةُ} فيه استعارة تصريحية أو علمية بالغلبة، والجرس الصوتي للكلمة بحروفها الشديدة والمطبقة يوحي بالارتطام الهائل والثقل الذي لا يدفعه دافع.
الملمح الإشاري والتدبري:
الوقوع الحقيقي هو انقضاء أجل الدنيا وزوال الغرور، وقيام قيامة كل عبد بموته؛ فمن مات قامت قيامته ووقعت واقعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ اليقين باليوم الآخر:
القيامة ليست فكرة فلسفية مجردة، بل هي حدث قادم يقيناً يستوجب من العاقل الاستعداد له بالتوبة والعمل الصالح والتخفف من أوزار المظالم.
الاستعلاء على فتن الدنيا: إذا استقر في قلب المؤمن أن الدنيا زائلة وأن الواقعة حق، هانت في عينه زخارف الأرض وتطلعت روحه إلى دار البقاء.