روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١١٧)جامع البيانالطبري٢٣/١١٧ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وسفيان الثوري قالوا: «{وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ}: أي ماء جارٍ مصبوب ينساب في غير أخدود، لا ينقطع ليلاً ولا نهاراً».
قال قتادة: «مسكوب: منصب يفيض على وجوه الرياض والبساتين والمنازل حيث شاؤوا وأينما جلسوا».
قال الحافظ ابن كثير: «أي يجري في جداول وخلجان وأنهار تتدفق بلا حفر ولا انقطاع، مسكوب بين أيديهم يديرونه حيث شاؤوا بمجرد الإشارة والإرادة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَاءٍ}: الواو حرف عطف، ماء معطوف مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الصرف: اسم مفعول من (سَكَبَ يَسْكُبُ سَكْباً)؛ والسَّكْب هو الصب والإراقة والانصباب المتصل المستمر؛ يقال: ماء ساكب ومسكوب، إذا كان دائم الجريان لا ينقطع ولا يحتاج إلى غرف أو مشقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين الخضرة والظل والماء الرقراق:
اكتملت في هذه الآيات عناصر الجمال الأربعة الكبرى التي تأنس بها النفس البشرية وتطرب لرؤيتها:
الشجر والزهر: السدر والطلح.
الظل الوارف الممتد: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}.
خرير الماء الجاري العذب: {وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ}.
الثمار المتنوعة في الآية التالية: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ}.
وهذا من أروع التنسيق النظمي الذي يستوعب كل أسرار الطبيعة الخالدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انسياب الأنهار بغير أخدود:
ماء الدنيا يحتاج إلى قنوات وسدود وأخاديد ليجري ولا يفيض بما يهدم الدور؛ أما ماء الجنة فيجري على سطح الأرض وفوق المسك والكافور بغير أخدود بقدرة ممسكه سبحانه؛ يمتثل لأمر المؤمن أينما مال مال معه.
لفظ {مَّسْكُوبٍ} يستحضر في الخيال مشهد الشلالات العذبة والجداول المنسابة بصفائها ولمعانها وصوت خريرها العذب الذي يبعث في الأرواح الهدوء والبهجة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الماء في الدنيا:
الماء أصل الحياة وقوام النعيم؛ والمؤمن يتذكر بكل شربة ماء عذب في دنياه فضل ربه، ويسأله أن يسقيه من ماء الجنة المسكوب وحوض نبيه المصطفى ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً.