روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٠٧)جامع البيانالطبري٢٣/١٠٧ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «في خمر الدنيا أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول؛ ونزه الله خمر الجنة عن هذه الخصال كلها».
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: «{لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا}: لا تلحقهم منها صداع رأس ولا ألم، {وَلَا يُنزِفُونَ}: لا تذهب عقولهم ولا يسكرون؛ فالنزيف هو السكران الذي ذهب عقله».
قال الحافظ ابن كثير: «لا تصدع رؤوسهم عنها ولا تغتال عقولهم، بل هي خمر طاهرة طيبة تجري معها اللذة التامة دون أي ضرر أو عيب».
القراءات السبعية:
قرأ الجمهور: {وَلَا يُنزِفُونَ} بضم الياء وكسر الزاي؛ من أنزف القوم إذا نفدت خمرهم أو سكروا.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: {وَلَا يُنزَفُونَ} بضم الياء وفتح الزاي؛ أي لا يسكرون ولا تنفد أموالهم وعقولهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَّا}: نافية للجنس أو نافية للفعل لا عمل لها.
{يُصَدَّعُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يُسم فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
والصُّدَاع: وجع الرأس الملازم لشرب خمر الدنيا.
{عَنْهَا}: عن حرف جر يفيد المجاوزة والسببية، و(ها) ضمير متصل مجرور بعن يعود على الخمر أو الكأس، متعلق بيصدعون.
{وَلَا}: الواو حرف عطف، لا نافية.
{يُنزِفُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل على قراءة كسر الزاي (بمعنى يسكرون أو ينفد شرابهم)، أو نائب فاعل على قراءة فتح الزاي (بمعنى تذهب عقولهم). والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نفي الآفات بعد ذكر اللذات:
لما ذكر إفاضة الشراب بالأكواب والأباريق، بادر فوراً بنفي جميع آفات خمر الدنيا: {لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ}؛ لئلا يتوهم متوهم أن خمر الجنة تماثل خمر الدنيا في إذهاب العقل أو توريث الصداع والعلل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نزاهة خمر الآخرة عن رذائل الدنيا:
خمر الدنيا رجس من عمل الشيطان، تفسد الأبدان، وتذهب الألباب، وتوقع العداوة والبغضاء، وتورث القيء والصداع؛ أما خمر الجنة فهي شراب رحماني خالص اللذة والنقاء، لا يسكر العقل، ولا يوجع الرأس، ولا يثير شركاً ولا معصية، بل يزيد الشارب صفاءً وفرحاً وتسبيحاً لربه المنعم.
جمع القرآن بكلمتين اثنتين {يُصَدَّعُونَ} و{يُنزِفُونَ} كل علل الخمر الجسدية (الصداع والوجع) والعقلية (السكر والهذيان)، فكان هذا منتهى البلاغة والإعجاز.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة العقل والكرامة الإنسانية:
الإسلام دين يعظم العقل ويصونه في الدنيا والآخرة؛ فلم يرض لأهل الجنة أن تغيب عقولهم لحظة واحدة، بل أبقى لهم تمام الإدراك ليتلذذوا بالنعيم وبرؤية ربهم ورضوانه.