روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٣٧)جامع البيانالطبري٢٣/١٣٧ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي قالوا: «الهِيم: هي الإبل العطاش التي أصابها داء الهُيَام، وهي علة تصيب الإبل تجعلها تشرب وتشرب ولا تروى حتى تموت أو تنقد بطونها؛ فكذلك أهل النار يشربون الحميم من شدة العطش والحر شرباً دائباً لا يرويهم ولا يفتر عنهم».
وقيل في رواية عن الضحاك وسفيان: «الهيم: الرمل السائل الذي ينشف الماء ولا يروى».
قال الحافظ ابن كثير: «والأول هو الأشهر والأظهر عند جمهور السلف وأهل اللغة؛ أن الهيم جمع أَهْيَم وهي الإبل المعطشة المصابة بداء الهيام؛ وهو داء يشبه الاستسقاء عند الآدميين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{شُرْبَ}: مفعول مطلق مبين للنوع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف؛ والشُّرْب (بضم الشين وفتحها وقرئ بهما في السبع): تناول السائل بالجرع.
{الْهِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الصرف والمعجم: الهِيم جمع أَهْيَم (للمذكر) وهَيْمَاء (للمؤنث)، والاسم الهُيَام (بضم الهاء)، وهو داء داء كالجنون والحرقة يصيب الإبل فتهيم في الأرض وتشرب الماء فلا تروى حتى تهلك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة تصوير الفظاعة والتشويه:
لم يقتصر الوصف على أنهم يشربون الحميم، بل شبه هيئتهم بأبشع هيئة حيوانية مريضة تعافها النفوس: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ}؛ لبيان شدة اللهاث واللهف والاضطرار الذي ينزل بهم، بحيث يفقدون كل وقار وإنسانية في تناول ذلك الحميم المغلي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز البلاغي في تشبيه هيئتهم بالإبل الهائمة:
الإبل المصابة بالهيام تشرب بسرعة ولهفة وجنون حتى تنشق أمعاؤها ولا يهدأ عطشها؛ وهذا يطابق حال الكافر في جهنم: عطش داخلي مستعر بلهيب النار، وحميم يصب في جوفه فيقطع أمعاءه، فلا العطش ينتهي، ولا العذاب ينقضي: {لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا}.
صورة تشبيهية حسية بالغة العنف والفظاعة؛ حيث يسلب الكافر كل عقل وإرادة ويتحول إلى كائن يلهث ببطن ممزقة في شرب الحميم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من العطش الأكبر يوم القيامة:
النجاة من عطش القيامة وشرب الهيم تكون بالورود على حوض النبي ﷺ في عرصات القيامة، والتمسك بسنته، وكثرة الصيام لله في أيام الصيف الحارة ابتغاء رواء ذلك اليوم المهيب.