قال أئمة التفسير: «زادوا في العناد والتهكم فقالوا: أو يبعث آباؤنا الماضون الذين صاروا تراباً رفاتاً منذ مئات السنين؟ يعنون أن هذا أبعد وأشد في الاستحالة عندهم».
قال الحافظ ابن كثير: «أي يقولون ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد المفرط؛ لأن الآباء الأولين قد تطاول عليهم الزمان وتفرقت ذراتهم في بطون الأرض وسكنوا التراب منذ أزمان متطاولة».
القراءات السبعية:
قرأ قالون عن نافع وابن عامر وأبو جعفر: {أَوَآبَاؤُنَا} بسكون الواو مع همزة الاستفهام {أَوْ آبَاؤُنَا}.
وقرأ الباقون: {أَوَآبَاؤُنَا} بفتح الواو على العطف مع همزة الاستفهام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوَآبَاؤُنَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، والواو حرف عطف عطفت الجملة أو الاسم على ما قبله؛ آباء مبتدأ لخبر محذوف تقديره (مبعوثون أيضاً)، أو معطوف على الضمير المستتر في {لَمَبْعُوثُونَ} وجاز العطف لوجود الفاصل بالاستفهام، وهو مضاف، و(نا) مضاف إليه.
{الْأَوَّلُونَ}: نعت لـ{آبَاؤُنَا} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصاعد نبرة الاستكبار في المحاجة:
تدرجوا في الإنكار:
أولاً: أنكروا بعث أنفسهم وهم قريبوا العهد بالحياة: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}.
ثانياً: ترقوا في التعجيز والإنكار بذكر أسلافهم الغابرين: {أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ}؛ ليرموا بكل ثقل استبعادهم في وجه الدعوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط حجة الزمن أمام قدرة الله:
يظن العقل البشري القاصر أن مرور الزمن وتطاوله على الرميم يجعل إعادته أصعب؛ والقدرة الإلهية لا تتأثر بالزمان؛ فالألف عام ولحظة واحدة في ميزان القدرة سواء: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.