قال أئمة السلف: «كل هذا النعيم الباذخ من السرر والأكواب والفواكه والحور إنما هو جزاء ومكافأة من الله تعالى لهؤلاء السابقين على ما قدموا من الإيمان الخالص والأعمال الصالحة في دار التكليف».
قال الحافظ ابن كثير: «أي هذا الذي ادخرناه لهم وأنعمنا به عليهم هو جزاء وفاقاً لما أسلفوه من الأعمال الصالحة والجهاد والإخلاص في الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جَزَاءً}: مفعول لأجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أي: فعلنا ذلك بهم جزاءً لهم؛ أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: (جزيناهم جزاءً).
{بِمَا}: الباء حرف جر للسببية والمقابلة، و(ما) مصدرية، أو اسم موصول مبني في محل جر بالباء.
{كَانُوا}: كان فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها.
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل؛ والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان؛ وجملة كان وصلتها صلة ما الموصولة أو المصدرية؛ والتقدير: جزاءً بعملهم وكسبهم الصالح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل النعيم وربطه بالأسباب:
بعد أن استعرض هذا الموكب الفاخر من نعيم المقربين، ختمه بهذه الآية الحاسمة: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ ليعلم كل عاقل أن دار الكرامة لا تُنال بالأماني ولا بالتسويف والكسل، بل بالإيمان والعمل الصالح ومجاهدة النفس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
التوفيق بين الآية وحديث: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»:
جمع أئمة التحقيق (كالنووي وابن تيمية وابن القيم) بين النصوص بما يلي:
نفي الدخول بالعمل في الحديث المراد به "باء العوض والمعاوضة"؛ أي ليس العمل ثمناً مكافئاً للجنة ونعيمها، فالجنة بفضل الله ورحمته وحدها.
وإثبات الجزاء بالعمل في الآية المراد به "باء السببية"؛ فالعمل الصالح هو السبب والشرط الذي جعله الله لنيل رحمته واقتسام درجات الجنة؛ فالدخول بالرحمة، والمنازل بالعمل.
التعبير بالفعل المضارع مع كان {كَانُوا يَعْمَلُونَ}:
اقتران (كان) بالفعل المضارع يفيد الاستمرار والمداومة على العمل الصالح في الدنيا؛ فلم يكن إيمانهم طفرة عابرة، بل كان منهج حياة دائم حتى توفاهم الله على ذلك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحث على العمل الصالح وترك التواكل:
دعوة المؤمن إلى الجد والاجتهاد؛ فالجنة سلعة الله الغالية، وسلعة الله لا تنال إلا بالبذل والتضحية والاستقامة على الصراط المستقيم.