روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٤)جامع البيانالطبري٢٣/٩٤ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا}: أي فُتتت ودُقت دكاً حتى صارت كالدقيق والرماد».
وعن مجاهد والحسن وقتادة قالوا: «سُيِّرت وفُتتت كما يُبسُّ السويق (أي يُلت بالماء)، فصارت غباراً وتراباً ناعماً بعد أن كانت صخوراً صلبة شامخة».
وقال ابن زيد: «البَسُّ في لغة العرب هو التفتيت والسحق حتى يصير الشيء رفاتاً».
قال الحافظ ابن كثير: «أي سُحقت وفُتتت وصارت كالغبار المتطاير، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَبُسَّتِ}: الواو حرف عطف، بُست فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله (مبني للمجهول)، مبني على الفتح، والتاء للتأنيث كُسرت لالتقاء الساكنين.
{الْجِبَالُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
البس هو الفت والتفتيت، ومنه (البسيسة) وهو الدقيق الذي يُفت ويُخلط بالسمن أو الزيت.
ويطلق البس أيضاً على طرد الإبل وزجرها لتسير؛ وكلا المعنيين حاضر: فتتت صخورها وسيرت في الهواء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من تزلزل الأرض إلى تفتت رواسيها:
بدأ برج الأرض في الآية السابقة، ثم ثنى ببس الجبال في هذه الآية؛ لأن الجبال هي أوتاد الأرض ورواسيها التي تثبتها؛ فإذا فُتتت الأوتاد العظيمة وزالت هيبتها، كان ذلك دليلاً قاطعاً على انحلال عقد العالم المادي واستعداده ليوم الفصل والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصير القوى المادية الصلبة:
يرى الإنسان الجبال الرواسي فيظنها أبدية لعظم صخورها وثباتها؛ فبين القرآن أن تلك القوة العاتية ستتحول في لحظة واحدة بأمر الله إلى سويق مفتوت وغبار؛ فكيف بالإنسان الضعيف المخلوق من نطفة؟ ألا يخشع لعظمة خالق الجبال ومفجرها؟
اجتماع السين المهوسة والمضعفة في {بُسَّتِ... بَسًّا} يصور في الأذن صوت احتكاك الصخور وتفتتها وتلاشيها ذرة ذرة في هواء القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تليين القلوب القاسية:
إن كانت الجبال الصماء تلين وتُبس بين يدي جلال الله في ذلك اليوم، فالواجب على القلوب المؤمنة أن تخشع وتلين لذكر الله وما نزل من الحق في دار الدنيا قبل فوات الأوان.