روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٢٧)جامع البيانالطبري٢٣/١٢٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «لما فرغ سبحانه من ذكر أصحاب النعيم (المقربين وأصحاب اليمين)، أردف بذكر الصنف الثالث وهم أصحاب الشقاء والعذاب: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ}، وهم الذين أوتوا كتبهم بشمائلهم، وسلك بهم ذات الشمال إلى سقر».
قال الحافظ ابن كثير: «أصحاب الشمال هم أهل النار؛ وقد عظم أمرهم وفظعه بقوله: {مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ}؛ أي أيُّ شيء هم فيه من النكال والعذاب والوبال والأغلال؟ وهو استفهام تهويل وتعجيب من شدة كربهم وسوء منقلبهم».
وقال القرطبي: «سماهم أصحاب الشمال لمصيرهم إلى جهة النار، أو لأخذهم كتبهم بأكفهم الشمال، أو لأنهم مشائيم على أنفسهم بضلالهم وعنادهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَصْحَابُ}: الواو حرف عطف أو استئناف، أصحاب مبتدأ أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الشِّمَالِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والشِّمال نقيض اليمين، وتطلق على الجهة المعاكسة للميمنة، وتستعمل في كلام العرب للشؤم والردى.
{مَا}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان؛ والاستفهام هنا للتهويل والتعظيم والفظاعة.
{أَصْحَابُ}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الشِّمَالِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ والجملة الاسمية {مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية الكبرى في بنية السورة:
بعد أن ملأ القرآن الآفاق بجمال السدر المخضود، والطلح المنضود، والظل الممدود، والماء المسكوب، وفاكهة الخلد، والأزواج الأبكار؛ فاجأ الأسماع بهذا المنعطف الترهيبي الصادم: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ}؛ لتظهر حقيقة العدل الإلهي في أبهى صوره عبر المقابلة بين النعيم الخالص والعذاب الأليم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين التسمية بالمشأمة في أول السورة والشمال هنا:
في الآية (٩) قال: {وَأَصْحَابُ الْمَشْـَٔمَةِ} لمقابلة {أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} باليمن والشؤم؛ وهنا قال: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ} لمقابلة {أَصْحَابُ الْيَمِينِ} بالجهة والأخذ؛ فالتنويع بين الصفتين استوفى المعنيين: شؤم أعمالهم الذاتية، وخروجهم إلى جهة الشمال لتناول صحائفهم بالشمائل، فلا تكرار بل كمال إحاطة واستيعاب.