أخرج ابن جرير الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١١٢)جامع البيانالطبري٢٣/١١٢ بسنده عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «لما فرغ سبحانه من ذكر السابقين المقربين، عطف بذكر أصحاب اليمين؛ وهم الصنف الثاني من أهل الجنة، الذين أوتوا كتبهم بأيمانهم وسلك بهم ذات اليمين إلى دار النعيم».
وروى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ».
قال الحافظ ابن كثير: «أصحاب اليمين هم جمهور أهل الجنة وعامتهم من الأبرار والمقتصدين؛ وقد أعاد الاستفهام هنا {مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} تعظيماً لشأنهم، وتفخيماً لما أعد الله لهم من الكرامة والنعيم المقيم».
وقال القرطبي: «سماهم أصحاب اليمين لأنهم ميامين مباركون على أنفسهم بطاعة الله، أو لأنهم يؤخذ بهم ذات اليمين، أو لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَصْحَابُ}: الواو حرف عطف أو استئناف، أصحاب مبتدأ أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْيَمِينِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ واليمين نقيض الشِّمال، وتطلق على البركة والقوة والمنزلة الرفيعة.
{مَا}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان، والاستفهام هنا للتعظيم والتفخيم والتشويق.
{أَصْحَابُ}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْيَمِينِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة؛ والجملة الاسمية {مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} في محل رفع خبر المبتدأ الأول {وَأَصْحَابُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال النظمي من المقربين إلى أصحاب اليمين:
لما أتم الحديث عن الصفوة العليا: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} وما نالوه من السرر الموضونة والأكواب والولدان المخلدين وسلام الخلد، التفت السياق بحكمة بديعة إلى عامة المؤمنين وأهل الصلاح: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}؛ ليقرر أن رحمة الله لم تقصر النعيم على أهل الفردوس الأعلى، بل أعدت لعموم الأبرار جنات وارفة الظلال تفيض باللذات والكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر إعادة الاستفهام التعظيمي {مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}:
لم يكتفِ بذكرهم مجرداً، بل صدره بالاستفهام التفخيمي كالسابقين؛ والسر في ذلك: طمأنة قلوب المؤمنين بأن درجة أصحاب اليمين وإن كانت دون المقربين، إلا أنها في ذاتها نعيم عظيم يدهش العقول، حتى لا يتسلل الحزن أو الشعور بالنقص إلى قلب أي مؤمن يدخل الجنة.
تكرار لفظ {أَصْحَابُ الْيَمِينِ} مرتين دون استعمال الضمير (كأن يقال: وأصحاب اليمين ما هم؟) للتنبيه على عظم شرف هذا العنوان الإيماني الشريف؛ فالانتساب إلى اليمين بحد ذاته فوز وفلاح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتح باب الرجاء لعامة الأمة:
الآية بلسم لقلوب من قصرت بهم أعمالهم عن رتبة السابقين المقربين؛ فليعمل العبد باقتصاد وصدق، وليسدد ويقارب؛ فإن منازل أصحاب اليمين ملأى بالرضوان والنعيم الذي لا ينقطع.