روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «الحور: البيض الوجوه مع شدة سواد العين وشدة بياضها، والعِين: حسان الأعين واسعاتها نجلات».
قال قتادة: «الحوراء: البيضاء الشديدة بياض العين وسوادها، والعين: النجلاء العظيمة العينين في كمال ورقة».
القراءات السبعية:
قرأ جمهور القراء (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم): {وَحُورٌ عِينٌ} بالرفع؛ عطفاً على {وِلْدَانٌ}، أو مبتدأ لخبر محذوف تقديره: (ولهم حور عين).
وقرأ حمزة والكسائي: {وَحُورٍ عِينٍ} بالجر؛ عطفاً على {أَكْوَابٍ} و{فَاكِهَةٍ}؛ أي يطوف عليهم ولدان بأكواب وبحور عين يقرنهم بهن، أو على الجوار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَحُورٌ}: الواو حرف عطف، حور مبتدأ مرفوع بالضمة (على قراءة الرفع) وخبره محذوف تقديره (لهم فيها حور)، أو معطوف على {وِلْدَانٌ} مرفوع بالضمة.
الحَوْر في اللغة: شدة بياض العين مع شدة سواد سوادها واستدارته؛ وحور جمع حَوْرَاء.
{عِينٌ}: نعت لـ{حُورٌ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وعِين جمع عَيْنَاء، وهي المرأة واسعة العينين النجلاء في حسن وبهاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل أركان النعيم:
النعيم البشري يكتمل بأربعة أركان متتابعة:
المسكن والمجلس: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ}.
الخدمة والشراب: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ... بِأَكْوَابٍ}.
الطعام والفاكهة: {وَفَاكِهَةٍ... وَلَحْمِ طَيْرٍ}.
الزوجة الحسناء والمؤنس: {وَحُورٌ عِينٌ}.
يا له من نسق إعجازي ينتظم أصول السعادة كلها في كلمات معدودات!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الغاية من ذكر الحور العين:
خلق الله الحور العين كرامة للمؤمنين وتحقيقاً لأعظم متعة فطرية ركبها الله في الإنسان؛ ولأن المؤمن في الدنيا جاهد شهوته وصان فرجه وغض بصره ابتغاء مرضاة ربه، فعوضه الله في الآخرة بأزواج طاهرات حسان لا يفنى جمالهن ولا يبيد شبابهن.