قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الأكواب: القِلال التي لا آذان لها ولا عُرى، والأباريق: التي لها خراطيم وعُرى وآذان، والكأس: إناء الشراب الذي فيه خمر الجنة؛ والعرب لا تسمي الإناء كأساً حتى يكون فيه شراب».
وقال قتادة ومجاهد: «{مِّن مَّعِينٍ}: من نهر جارٍ ظاهر عذب رقراق، لا ينقطع ولا ينضب».
قال الحافظ ابن كثير: «أي يطوف عليهم الغلمان بأواني الشراب؛ الأكواب: وهي الكيزان المدورة التي لا عروة لها، والأباريق: ذوات العرى والخراطيم، والكأس: القدح الممتلئ من الخمر الجارية من العيون المنفجرة في الجنة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِأَكْوَابٍ}: الباء حرف جر للتعدية والملابسة، أكواب اسم مجرور بالكسرة؛ وأكواب جمع كُوب، وهو قدح مدور لا عروة له ولا أنبوب.
{وَأَبَارِيقَ}: الواو حرف عطف، أباريق معطوف مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع (مفاعيل)؛ وأباريق جمع إِبْرِيق، وهو الإناء ذو الخرطوم والعروة.
{وَكَأْسٍ}: الواو حرف عطف، كأس معطوف مجرور بالكسرة؛ والكأس اسم مؤنث للقدح إذا كان فيه خمر.
{مِّن}: حرف جر لبيان الجنس والابتداء.
{مَّعِينٍ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة؛ والمعين: الماء أو الخمر الجارية العذبة الصافية المنفجرة من العيون؛ مفعول من المَعْن وهو السيلان، أو فعيل من العَيْن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الدقيق في أواني الشراب:
ذكر ثلاثة أنواع من الأواني متدرجة في الوظيفة والحسن:
الأباريق: لسكب الشراب وحفظه.
الأكواب: لصب الشراب وتناوله.
الكأس: القدح المترع بالشراب اللذيذ الذي يدور في أيديهم.
هذا التفصيل يجسد كمال التشريف وقمة الرقي في آداب الضيافة والخدمة الملكية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طهارة شراب الجنة عن شوائب الدنيا:
وصف الشراب بأنه {مِّن مَّعِينٍ}؛ أي جارٍ متدفق لا يركد فيتعفن، ولا يستخرج بعناء، بل ينساب بين يديهم صفاءً ونقاءً بلا غش ولا درن.
تنوع أشكال الآنية بين الكوب الدائري والإبريق ذي العروة والكأس الشفافة المتلألئة يعطي مشهداً بصرياً جذاباً تتمازج فيه بروق الذهب والفضة مع حمرة الشراب أو بياضه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر عن المسكرات والمحرمات في الدنيا:
من ترك خمر الدنيا المحرمة طلباً لمرضاة الله، سقاه الله من كأس الجنة وطاف عليه الغلمان بالأكواب والأباريق في مقعد صدق.