أخرج البخاري (صحيح البخاري، رقم ٣٢٥٢)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٣٢٥٢ ومسلم (صحيح مسلم، رقم ٢٨٢٦)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٨٢٦ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}».
وروى الطبري عن مجاهد قال: «{وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}: دائم لا يزول ولا تنسخه الشمس أبداً؛ إذ لا شمس في الجنة ولا حر ولا قر، بل هي في ظل عرش الرحمن ونور بهائه، كهيئة ما بين الفجر وطلوع الشمس».
قال الحافظ ابن كثير: «أي ظل دائم ممتد متصل لا يتقلص، ولا حر معه ولا سموم؛ كما قال تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}، وقال: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَظِلٍّ}: الواو حرف عطف، ظل معطوف على ما قبله مجرور وعلامة جره الكسرة؛ والظل نقيض الحر والضوء المباشر، وهو الستر والراحة.
الصرف: اسم مفعول من (مَدَّ يَمُدُّ مَدّاً)؛ والممدود هو المبسوط المستطيل الذي لا انقطاع له ولا نهاية تحد طرفه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التناسب التكويني للبساتين:
لما ذكر الأشجار: {سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}، كان من أثر تشابك أغصانها وتراكم ثمارها أن ينشأ عنها ظل وارف سابغ؛ فعطف ببيان ذلك الظل: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}؛ ليرسم صورة الحديقة الملكية المتكاملة في خضرتها ونسيمها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يكون ظل مع عدم وجود شمس في الجنة؟
الجواب: الظل في كلام العرب يطلق على الستر اللطيف المعتدل والنسيم الرائق الذي لا حر فيه ولا شمس مؤذية؛ فالجنة ليس فيها شمس تحرق ولا زمهرير يبرد: {لَّا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}، بل نور رباني معتدل يفيض بالبهجة، وظلال أشجارها ممتدة في أرجائها تمنح النفس شعور الأمان والاستجمام التام.