روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ٩٢)جامع البيانالطبري٢٣/٩٢ بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} قال: «تخفض أقواماً في النار، وترفع أقواماً في الجنة».
وعن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: «خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله في الجنة؛ خفضت المتكبرين والجبابرة، ورفعت المؤمنين الصادقين المتقين».
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: «خفضت أناساً كانوا في الدنيا شرفاء ملوكا فأدخلتهم النار، ورفعت أناساً كانوا في الدنيا مستضعفين فأدخلتهم الجنة».
قال الحافظ ابن كثير: «خافضة رافعة: أي تخفض أقواماً إلى أسفل سافلين في الجحيم وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين في النعيم المقيم وإن كانوا في الدنيا وضعاء؛ فالعبرة بالخاتمة عند الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَافِضَةٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هي خافضة)، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، أو نعت لـ{الْوَاقِعَةُ}، أو خبر ثان لـ{إِذَا}.
الخفض في اللغة: ضد الرفع، وهو الحط والتنزيل؛ والرفع: العلو والترقية والإعلاء؛ واقترانهما باسم الفاعل يفيد الاستمرار والتجدد والتمام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انقلاب الموازين والقيم:
كلمتان فقط لخصتا فلسفة القيامة والعدالة الإلهية؛ فبعد تقرير وقوعها ونفي التكذيب عنها، بين أثرها المباشر في الخلائق: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}؛ فالقيامة ليست زلزالاً للأرض والجبال فحسب، بل هي زلزال للمقامات الزائفة والأنساب الدنيوية التي لم تقم على التقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد معايير التفاضل الجاهلية:
كان أهل الجاهلية يستكبرون بأنسابهم وأموالهم وأولادهم ويحتقرون الضعفاء والفقراء كبلال وصهيب وعمار؛ فجاءت الآية لتعلن سقوط كل ميزان باطل، وأن ميزان الله وحده هو القائم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؛ فيوم القيامة يخفض من تكبر على الحق ويرفع من ذل لعظمة الرب سبحانه.