-
الدفع والبيان: تحرير المسألة يقوم على التفريق بين مقامين: مقام تفسير الآية، ومقام استنباط الحكم منها.
- في مقام التفسير: أكثر السلف على أن الضمير عائد على الكتاب المكنون، وأن {الْمُطَهَّرُونَ} الملائكة؛ فعلى هذا لا يُؤخذ الحكم الفقهي من الآية أخذاً مباشراً، بل يُستأنس بها.
- في مقام الاستنباط: ذهب جمهور أهل العلم — وهو قول الأئمة الأربعة — إلى أنه يحرم على المحدث مسّ المصحف، واستدلوا بعموم قوله تعالى {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، وحملوا الخبر على معنى النهي إجلالاً للقرآن وتعظيماً له؛ ذكر ذلك محمد بن علي حلاوة في الجامع لأحكام الطهارة (ج ١، ص ٥٠٧)مصدر غير محدد١/٥٠٧.
- واستدلوا كذلك بما في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم: «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر»؛ وقد تُكلّم في إسناده عند بعض أهل الحديث، وقوّاه آخرون بكثرة طرقه وعمل الأئمة به.
- واحتج المالكية بأثر سلمان رضي الله عنه أنه قيل له وقد قضى حاجته: لو توضأت فسألناك عن آيٍ من القرآن؟ فقال: سلوني، فإني لست أمسّه، لأنه لا يمسّه إلا المطهرون؛ ذكره ابن القصار في عيون الأدلة (ج ١، ص ٣١٠)مصدر غير محدد١/٣١٠، وقال: هذا صحابي تأوّل الآية على ما نقول فلم يُنكر عليه. وفي مختصر ابن عبد الحكم (ج ١، ص ١٢٦)مصدر غير محدد١/١٢٦: «ولا يمسّ مصحفاً ولا يحمله» في باب ما يجب منه الغسل.
- وذهب طائفة إلى الجواز، واحتجوا بأن {الْمُطَهَّرُونَ} في الآية الملائكة لأنهم طُهّروا من الشرك والذنوب وليسوا بني آدم؛ إذ المطهَّر من طهّره غيره، ولو أُريد بنو آدم لقيل: المتطهّرون؛ ذكر هذا الاعتراض وجواب الجمهور عنه المنياوي في المعتصر من شرح مختصر الأصول (ج ١، ص ٥٧)مصدر غير محدد١/٥٧. وذكر في الشرح الكبير لمختصر الأصول (ج ١، ص ١٦٧)مصدر غير محدد١/١٦٧ أن أصل الخلاف راجع إلى أمرين: هل المراد بالكتاب القرآن أم اللوح المحفوظ، وهل الآية خبر أم إنشاء.
- فتحصّل أن الخلاف مبنيّ على مقدمتين لغويتين: مرجع الضمير، ودلالة صيغة اسم المفعول. وكلا الفريقين متفق على أصل تعظيم المصحف وإجلاله، وإنما اختلفوا في مأخذ التحريم؛ ومن ورع أن يمسّ المصحف على غير طهارة خرج من الخلاف بيقين.
-
إشكال آخر: كيف يُنهى المسلم عن المسّ وهو مؤمن، ووُصف المؤمنون في القرآن بالطهارة؟
-
الدفع والبيان: من فسّر الآية بالمؤمنين استقام له أن الطهارة المعنوية من الشرك هي المرادة، فيكون النفي متوجهاً إلى المشركين. ومن استنبط منها حكم الطهارة الحسية فمأخذه أن العلة تعظيم الكتاب، والتعظيم يقتضي تكميل الحال عند المباشرة. والمعنيان لا يتدافعان: طهارةٌ في القلب من الشرك، وطهارةٌ في البدن من الحدث.