قال ابن عباس رضي الله عنهما: «{أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}: هم المقربون إلى الله زلفى، يحلون في أعلى درجات الجنان قريباً من عرش الرحمن».
وقال قتادة ومجاهد: «قربوا من الله بفضله وإحسانه، وجعلت منازلهم فوق منازل سائر أهل الجنة».
قال الحافظ ابن كثير: «أولئك هم المقربون في الرفيق الأعلى، في الفردوس الذي فوقه عرش الرحمن، وهم صفوة الخلائق وخاصة الأولياء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب؛ والإشارة بلفظ البعد تفيد علو المنزلة والرفعة في الشرف.
{الْمُقَرَّبُونَ}: خبر أولئك مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ أو بدل من اسم الإشارة والجملة خبر لـ{وَالسَّابِقُونَ}.
المقربون اسم مفعول من (قَرَّبَ يُقَرِّبُ)، وفيه دلالة على أن هذا القرب اصطفاء وتكريم من الله تعالى بفضله ومنته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط السبب بالثمرة والجزاء:
لما وصفهم بالسبق في قوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}، بين علة شرفهم وثمرة جهادهم: {أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}؛ فالقرب من الله تعالى هو الغاية العظمى التي تتلاشى عندها كل الغايات والأماني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة القرب الإلهي:
القرب هنا قرب كرامة وفضل ومكانة ورضوان وسماع مناجاة، لا قرب مسافة حسية أو حلول وممازجة؛ فالله تعالى مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، يقرب من شاء من عباده برحمته وفضله وإكرامه كما يليق بجلاله وكماله.