روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٠٤)جامع البيانالطبري٢٣/١٠٤ بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «{مَّوْضُونَةٍ}: مرمولة بالذهب، منسوجة بالذهب واللؤلؤ والياقوت والدر، متداخلة بعضها في بعض كحلق الدرع».
وقال مجاهد وقتادة وعكرمة وسعيد بن جبير: «موضونة: أي مشبكة بالذهب، قد وُضنت بعض صفوفها على بعض وأُحكم نسجها كإحكام نسج الدرع».
قال الحافظ ابن كثير: «أي منسوجة بالذهب واللؤلؤ؛ والوضن في لغة العرب: نسج الشيء وإدخال بعضه في بعض بإحكام وإتقان، ومنه يقال للدرع المتقنة: مَوْضُونَةٌ، كما قال الأعشى في مدح الدرع: ومفاضة وضنت وضين قلاصها».
وقال القرطبي: «سرر موضونة: أي مصفوفة بعضها إلى جانب بعض متصلة، أو منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالجوهر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الاستعلاء والتمكن.
{سُرُرٍ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وسُرُر جمع سَرِير، وهو ما يُجلس ويُضطجع عليه للتكريم والراحة، واشتقاقه من السرور لأن صاحب السرير يكون مسروراً مكرماً.
الصرف والمعجم: اسم مفعول من الفعل الثلاثي (وَضَنَ يَضِنُ وَضْناً)؛ والوضن في لسان العرب: النسج والتداخل والتضبيج والإحكام؛ وضن الدرع: إذا نسج حلقها متداخلاً مضاعفاً، ووضن السرير: إذا نسج وجهه بسيور الجلد أو خيوط الذهب والحرير متداخلة الصنع.
شبه الجملة {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ}: متعلق بمحذوف حال من الضمير في {الْمُقَرَّبُونَ} أو متعلق بـ{مُّتَّكِئِينَ} في الآية التالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل مجالس النعيم للمقربين:
بعد أن بين مكانهم العام: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}، شرع يفصل مجالسهم الخاصة داخل تلك الجنات: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ}؛ فنقل المشهد من سعة البساتين والرياض إلى فخامة الأرائك والسرر الموشاة؛ لبيان كمال الملك والسيادة والأبهة التي خُص بها السابقون المقربون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة ذكر السرر والفرش في نعيم الجنة:
قد يتبادر لبعض الأذهان التساؤل: هل أهل الجنة بحاجة إلى سرر للراحة من التعب؟
الجواب: كلا قطعاً؛ فأهل الجنة لا يمسهم فيها نصب ولا لغوب؛ والسرير في الجنة ليس للاستراحة من إعياء، بل هو رمز الملك والشرف والرفعة والبهجة، فجلوس الملوك على الأسرة إنما هو لإظهار السيادة والكمال والفرح بلقاء الأحبة.
اختيار وصف {مَّوْضُونَةٍ} دون غيره يعطي دلالة على الدقة المتناهية في الصنعة؛ فهو نسج متداخل لا يرى فيه فتق ولا عيب، يجمع بين قوة الإحكام وبريق الذهب واللؤلؤ.
الإشارة السلوكية:
جزاء تواضعهم في الدنيا لله وافتراشهم التراب والسجود بالأسحار، أن أحلهم الله على سرر موضونة منسوجة بالكرامة الإلهية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
احتقار مجالس اللهو الدنيوية الزائلة:
مجالس الدنيا مهما زُخرفت فهي محفوفة بالزوال والهموم؛ فطوبى لمن ترك مجالس الغفلة في الدنيا ليجلس على سرر الكرامة في جنات النعيم.