روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١١٠)جامع البيانالطبري٢٣/١١٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «اللغو: الباطل والكلام الساقط الفارع الذي لا فائدة فيه؛ والتأثيم: الكذب والسب والشتم وما يوجب الإثم والمعصية».
قال الحافظ ابن كثير: «أي لا يسمعون في جنات النعيم كلاماً ساقطاً هذياناً لا نفع فيه، ولا ما فيه إثم أو معصية، كما قال تعالى في السورة الأخرى: {لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً}».
وقال القرطبي: «طهر الله أسماعهم في الجنة من كل كلام باطل وقبيح، كما طهر أبدانهم من الأدناس والأقذار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يَسْمَعُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل يعود على المقربين.
{فِيهَا}: في حرف جر، والهاء ضمير متصل في محل جر بفي يعود على الجنة، وشبه الجملة متعلق بيسمعون.
{لَغْوًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ واللَّغْو: الكلام الساقط المطرح الذي لا طائل تحته.
{وَلَا}: الواو حرف عطف، لا نافية لتأكيد استغراق النفي.
{تَأْثِيمًا}: معطوف على {لَغْوًا} منصوب بالفتحة؛ والتأثيم مصدر من (أَثَّمَهُ يُؤَثِّمُهُ)، وهو نسبة الإنسان إلى الإثم، أو الكلام الذي يترتب عليه الإثم والعقاب كالغيبة والنميمة والشتم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج النعيم الحسي بالنعيم النفسي والسمعي:
متعة الإنسان لا تكتمل مهما كثر طعامه وشرابه وحسنت زوجته إذا كان يسمع كلاماً بذيئاً أو لغواً يؤذي سمعه ويفسد مزاجه؛ فجاءت الآية لتؤكد أن دار السلام نقية حتى من مجرد الكلام التافه؛ ليكون النعيم تاماً في الظاهر والباطن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين مجالس الدنيا ومجالس الآخرة:
مجالس الدنيا قلما تسلم من لغو أو غيبة أو كلمة تجرح الفؤاد؛ أما الجنة فمجالسها مقدسة مطهرة لا يخرج من الأفواه فيها إلا الذكر والحمد والثناء والحكمة والسلام؛ فكانت دار السلام بحق.
نفي "اللغو" وهو أدنى درجات الكلام الذي لا فائدة منه، ونفي "التأثيم" وهو أعلاها في الضرر والمعصية؛ فنفي الطرفين استوعب نفي كل ما بينهما من المساوئ والعيوب الكلامية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حفظ اللسان وصيانة الأسماع في الدنيا:
المؤمن في الدنيا يروض نفسه على اجتناب مجالس اللغو والغيبة: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، ليتأهل لسماع الخطاب الطيب في دار السلام والكرامة.