روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١٠٦)جامع البيانالطبري٢٣/١٠٦ عن علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن ومجاهد قالوا: «{وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}: غلمان خلقهم الله لخدمة أهل الجنة، مخلدون: أي لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون عن سنهم وحسنهم أبد الآباد».
وعن سعيد بن جبير قال: «مخلدون: مقرطون، أي في آذانهم الخِلدة وهي الأقراط من الذهب والجوهر».
قال الحافظ ابن كثير: «أي يطوف على أهل الجنة للخدمة غلمان من غلمان الجنة، مخلدون على حالة واحدة وصورة واحدة من الحسن والشباب، لا يزيدون على ذلك السن ولا ينقصون».
وقال الإمام القرطبي: «روي أنهم أولاد المؤمنين الذين ماتوا صغاراً، والصحيح المعتمد عند المحققين أنهم غلمان خلقهم الله في الجنة لخدمة أوليائه كما خلق الحور العين للاستمتاع، وهم في غاية البهاء والنشاط».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَطُوفُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والطواف هو الدوران والمشي حول الشيء بالخدمة والتردد.
{عَلَيْهِمْ}: على حرف جر، والهاء ضمير متصل في محل جر والميم للجمع؛ والجار والمجرور متعلق بيطوف.
{وِلْدَانٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وولدان جمع وَلَد أو وَلِيد، وهم الغلمان في سن الصبا والنشاط.
{مُّخَلَّدُونَ}: نعت لـ{وِلْدَانٌ} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
التوجيه اللغوي لـ{مُّخَلَّدُونَ}:
من الخُلْد، أي باقون على نضارة سنهم وصبوح وجوههم لا يكبرون ولا يهرمون.
وقيل: من (الخَلَد) بفتحتين، وهي الأساور والأقراط، أي محلون بالحلي وأطواق الذهب؛ والأول هو الأشهر والأظهر عند أئمة التفسير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توفير كمال الترف والخدمة الملكية:
لما وصف مجالسهم بالاتكاء والتقابل، بين أنهم لا يحتاجون إلى قيام أو نصب في طلب طعام أو شراب؛ بل الخدم يطوفون عليهم بالكرامة: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}؛ فالنعيم يأتيهم إلى مجالسهم وهم في غاية الاسترخاء والعزة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة اختيار "الولدان" للخدمة دون الكبار:
الغلمان في سن الصبا يجمعون بين كمال الخفة والنشاط وسرعة الحركة، وصفاء الوجوه، وطيب الرؤية، وعدم الحياء أو التكلف؛ فكانت خدمتهم أبهج لقلب المخدوم وأيسر في الانقياد والطاعة دون منغص.
صيغة المضارع تفيد استمرار الخدمة وتجددها، وتصوير الحركة الدائبة التي تفيض حيوية ونشاطاً في أرجاء القصور الملكية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كرامة العبد المؤمن عند الله:
العبد الذي أتعب نفسه في طاعة الله في الدنيا وبذل شبابه في السجود والخدمة لدين الله، يكرمه الله يوم القيامة بأن يجعل له غلماناً مخلدين يطوفون بخدمته كأنهم اللؤلؤ المكنون.