روى الطبري (جامع البيان، ج ٢٣، ص ١١١)جامع البيانالطبري٢٣/١١١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «{إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}: أي يسلم بعضهم على بعض، وتسلم عليهم الملائكة، ويسلم عليهم ربهم الرحيم؛ فكل قولهم وأنسهم سلام وأمان وبركة».
قال الحافظ ابن كثير: «استثناء منقطع؛ أي لا يسمعون كلاماً إلا السلام؛ فهم يسلمون على بعضهم البعض، وتدخل عليهم الملائكة من كل باب بسلام، ويأتيهم سلام من رب رحيم: {سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}؛ فدارهم دار السلام، وتحيتهم فيها سلام، وخاتمة أمرهم سلام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء منقطع؛ لأن السلام ليس من جنس اللغو ولا التأثيم.
{قِيلًا}: مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والقِيل والقَوْل واحد، وهو الكلام المنطوق.
{سَلَامًا}: بدل من {قِيلًا} منصوب بالفتحة، أو مفعول به لـ{قِيلًا} لأنه يعمل عمل الفعل، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (نسلم سلاماً).
{سَلَامًا}: توكيد لفظي لـ{سَلَامًا} الأولى منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والتكرار هنا يفيد الإشاعة والكثرة والعموم والامتلاء بالسلام التام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك ختام نعيم السابقين المقربين:
ختم الله تعالى أوصاف نعيم السابقين المقربين بـ{سَلَامًا سَلَامًا}؛ ليقرر أن غاية النعيم وتاجه هو السلام: سلام من كل آفة، سلام من كل حزن، سلام من كل منغص، سلام يفيض من الرب الكريم، والملائكة الأطهار، ويسري بين أهل الجنة جميعاً؛ فيمتلئ الوجود أماناً ورضواناً خالصاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز في الاستثناء المنقطع:
لم يستثنِ شيئاً من جنس المستثنى منه؛ لأن الجنة مبرأة من اللغو بالكلية؛ فجاء الاستثناء المنقطع {إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} ليرفع التوهم ويؤكد أن الكلام الوحيد الذي يتردد في جنات النعيم هو السلام الصافي والثناء العاطر.
تكرار اللفظ {سَلَامًا سَلَامًا} يحدث في النفس نشوة روحية غامرة؛ صوت يتردد في أرجاء الخلد بالسلامة والأمن التام، وهو أبهى ما تتمناه الأرواح بعد كبد الدنيا ومكابدة فتنها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):