روى الترمذي (سنن الترمذي، رقم ٣٥٢٥)سنن الترمذيالترمذيحديث رقم ٣٥٢٥ والنسائي وصححه الألباني عن ربيعة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَلِظُّوا بِـ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»؛ أي: الزموها في دعائكم وتضرعكم وأكثروا منها.
وروى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ}: أي تعاظم وكثر خيره وتطاول بره؛ {ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}: ذي العظمة والكبرياء، والمكرم لأوليائه بأنواع الإنعام والكرامة».
قال الحافظ ابن كثير: «أي هو أهل أن يُجل فلا يُعصى، وأن يُطاع فلا يُخالف، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وهو المكرم لأوليائه وأصفيائه بالعفو والمغفرة والجنة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَبَارَكَ}: فعل ماض جامد لإنشاء الثناء والتعظيم والتقديس، لا يتصرف منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل، مبني على الفتح؛ ومعناه: كثرت بركاته وتكاثرت خيراته ودام فضله وتعاظم سلطانه.
{اسْمُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
مسألة الاسم والمسمى: ذكر "الاسم" هنا لتعظيم المسمى وتقديسه؛ فإذا كان اسم الله يفيض بالبركة والنماء، فكيف بذاته العلية وصفاته القدسية سبحانه؟ وقيل: الاسم صلة زائدة للإجلال، والأول أصح وأبلغ.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه؛ والخطاب للنبي ﷺ تشريفاً وتكريماً له.
{ذِي}: نعت لـ{رَبِّكَ} مجرور وعلامة جره الياء لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف.
{الْجَلَالِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والجلال: العظمة والكبرياء والهيبة وسعة السلطان التي تقتضي الخضوع والتذلل له سبحانه.
{وَالْإِكْرَامِ}: الواو حرف عطف، الإكرام معطوف على الجلال مجرور بالكسرة الظاهرة؛ والإكرام: الإنعام والفضل والجود والتكريم لخلقه وأوليائه.
المقارنة الإعرابية بين موضعي السورة:
في الآية (٢٧): {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}: جاءت {ذُو} بالواو لأنها نعت لـ{وَجْهُ} وهو فاعل مرفوع.
في الآية (٧٨): {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}: جاءت {ذِي} بالياء لأنها نعت لـ{رَبِّكَ} وهو مضاف إليه مجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المطلع وحسن الختام:
بدأت سورة الرحمن باسم من أسماء الله الحسنى: {الرَّحْمَٰنُ}، وهو أصل الرحمة والإنعام والفضل والفيض في الدنيا والآخرة.
وخُتمت السورة بتمجيد اسم الله وتعظيمه: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
يا له من تناسق بديع في البناء المعماري للسورة! بدأت بالرحمة وانتهت بالجلال والإكرام؛ فجمع المطلع والمقطع بين أركان الدين الكبرى: الرجاء في رحمة الرحمن، والخوف من جلاله وسلطانه، والشوق إلى إكرامه وجوده وإحسانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اقتران الجلال بالإكرام:
الجلال بمفرده قد يورث في النفوس رهبة وقنوطاً وخوفاً مباعداً.
والإكرام بمفرده قد يورث جرأة واغتراراً وأمناً من مكر الله.
فجاء الجمع بينهما: {ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} ليعلم العباد أن الله تعالى تجتمع له صفات الهيبة والعظمة التي توجب كمال الخضوع والرهبة، وصفات الجود والفضل التي توجب كمال الحب والرجاء، فيعبد العبد ربه خائفاً راجياً، معظماً محباً.
ختام يليق بسورة سميت في الأثر "عروس القرآن"؛ فبعد أن أطافت السورة بالكون كله: من السموات والميزان، إلى الأرض والرياحين، والبحار واللؤلؤ، وفناء كل من عليها وبقاء وجه الله، وتهديد المجرمين ونواصيهم، إلى رياض الجنات الأربع وتفاصيلها الفاتنة.. عادت السورة إلى نقطة البدء والمنتهى: إلى الله الواحد الأحد، ذي الجلال والإكرام، فكان هذا الختام مسكاً وروحاً وريحاناً.
اللطيفة الإشارية:
البركة الإلهية لا تتناهى؛ فمن تعلق باسم الله في كل شأنه بارك الله له في حياته ومماته ومحشره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الدعاء بذي الجلال والإكرام:
وصية النبي ﷺ الجامعة: «أَلِظُّوا بِـ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»؛ فلنلهج بها في أدعيتنا وتضرعنا وأسحارنا، سائلين الله من فضله وجلاله وكرامته.
الجمع بين الخوف والرجاء والمحبة:
القلب السليم يسير إلى الله بجناحي الخوف من جلاله، والرجاء في إكرامه، مدفوعاً بمحبة الرحمن الرحيم؛ فتثمر له العبودية الحقة التي تورثه الفردوس الأعلى ونعيم الخلود.