أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/521)جامع البيانالطبري١٩/٥٢١ في قوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا}: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واحمد الله يا محمد على نعمه التي أنعم بها عليك وعلى ما خصك به من كرامته ورسالته، وقل لهؤلاء المشركين: سيريكم الله دلائله وقدرته وآياته في أنفسكم وفي الآفاق؛ ببدر وفتح مكة ومصارع الكفار وعذاب القيامة، فتعرفونها معرفة لا تنفعكم حينئذ، وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون، بل هو محيط بهم ومجازيهم بأعمالهم أتم الجزاء".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/216)مصدر غير محدد٦/٢١٦: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}؛ فيريهم الله آياته في الدنيا بظهور دينه وقهر أعدائه، وفي الآخرة بالمعاينة حين لا ينفع الندم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ}: استحقاق الله الكامل لجميع صفات الكمال والمحامد ونعوت الجلال والإنعام.
{سَيُرِيكُمْ}: السين للتنفيس والوعد والوعيد المؤكد القريب؛ والإراءة علمية وبصرية.
{فَتَعْرِفُونَهَا}: معرفة إقرار واضطرار وانكشاف للحقيقة وزوال لكل شبهة.
{بِغَافِلٍ}: الغفلة سهو القلب عن الشيء وذهوله عنه؛ والله منزه عن الغفلة والنسيان والنوم.
الإعراب:
{وَقُلِ}: الواو عاطفة، قل فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل أنت.
{الْحَمْدُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة مقول القول في محل نصب.
{سَيُرِيكُمْ}: السين حرف استقبال وتوكيد، يري مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل هو يعود على الله، والكاف مفعول به أول، والميم للجمع.
{آيَاتِهِ}: مفعول به ثان منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء مضاف إليه.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية انكشاف الحقيقة وزوال حجب المكابرة:
محاكمة فكرية عقلية:
الآية تضع المكذبين أمام حقيقة مستقبلية حتمية: إن تكذيبكم اليوم لن يغير من الحقيقة شيئاً؛ فالآيات قادمة وبراهين صدق هذا الدين ستتجلى يوماً بعد يوم في الآفاق والأنفس وفي أحداث التاريخ؛ وستعرفونها حينئذ معرفة يقين؛ فإن عرفتموها في دار الدنيا وأسلمتم نجوتم، وإن كابرتم حتى عاينتموها عند الموت وفي القيامة كانت معرفتكم حسرة وعذاباً عليكم؛ فالحق منصور وظاهر لا محالة.
السين تفيد تحقق الوقوع وقربه؛ فكل ما هو آت قريب، وفيها وعيد يقرع قلوب المعاندين، ووعد يملأ قلوب المؤمنين باليقين بالنصر وظهور الآيات.
الفاء في {فَتَعْرِفُونَهَا}:
تعقيب سريع يفيد أن الآيات ستكون من الوضوح والنصاعة بحيث تعقبها المعرفة والإقرار الفوري دون تردد؛ لأنها آيات قاطعة للعذر.
تأكيد نفي الغفلة بالباء {بِغَافِلٍ}:
صيغة ختامية مهيبة تبعث الرجاء في قلب النبي والمؤمنين، وتخلع أفئدة الظالمين؛ فالله ليس غافلاً ولا ناسياً، بل يمهل ولا يهمل، ويعدّ الأيام والأنفاس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
البدء بالحمد والختام به:
الحمد لله هو ديدن العبد المؤمن في أول الأمر وآخره؛ فالله يحمد على نعمة التوفيق، ويحمد على كمال الرسالة، ويحمد على ظهور الحق وهزيمة الباطل.
اليقين المستمر في تجدد آيات الله:
تظل آيات الله الكونية والقرآنية تنكشف للعلماء والباحثين جيلاً بعد جيل، مما يزيد المؤمنين إيماناً مع إيمانهم، ويؤكد أن هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.