أخرج الطبري (19/526)مصدر غير محدد١٩/٥٢٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله تعالى: {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ}: "قال: وعسى من الله واجبة متحققة؛ أي قل لهم يا محمد: لعل وقريباً أن يكون قد اقترب ولحق بكم ودنا منكم بعض ما تستعجلونه من العذاب في الدنيا، وكان ذلك عذاب يوم بدر؛ حيث قُتل صناديدهم وأُسر أشرافهم بعد سنين يسيرة من هذا الوعيد".
وروى ابن أبي حاتم (8/2812)مصدر غير محدد٨/٢٨١٢ عن مجاهد: "{رَدِفَ لَكُم}: أي اقترب ودنا ولحق بكم، وهو مأخوذ من الرديف الذي يتبع الشيء ويلتصق بظهره".
وقال ابن كثير (6/199)مصدر غير محدد٦/١٩٩: "أي قارب ولحق بكم بعض ما تستعجلونه من نقمة الله وعذابه؛ وهذا تهديد ووعيد ساطع أظهره الله يوم بدر، وخزي الدنيا متصل بعذاب الآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{عَسَىٰ}: فعل ماض جامد للرجاء والترقب والمقاربة، وإذا جاء من الله فهو تحقيق وإيجاب.
{رَدِفَ}: الردف هو التابع الملاصق؛ ردف الشيء إذا تبعه ولحق به وقرب منه حتى التصق به، ومنه الرديف وهو راكب خلف الراكب.
{بَعْضُ}: جزء من كل؛ أي جزء من العذاب الدنيوي (كيوم بدر والقحط)، وبقية العذاب الأعظم مدخر لهم في جهنم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَسَىٰ}: فعل ماض جامد لإنشاء الرجاء مبني على الفتح المقدر على الألف، واسمه ضمير الشأن محذوف (أو تام والمصدر المؤول فاعله).
{أَن يَكُونَ}: أن مصدرية ونصب، يكون مضارع ناقص منصوب بالفتحة، واسمه ضمير مستتر تقديره هو.
{رَدِفَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (أو الفاعل هو "بعض").
{لَكُم}: اللام زائدة للتوكيد لتضمين ردف معنى دنا وقرب، أو متعلق بـ "ردف" لتعديته باللام.
{بَعْضُ}: فاعل لـ "ردف" مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف (أو اسم يكون المؤخر وجملة ردف خبرها).
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{تَسْتَعْجِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصدمة الميدانية للمستهزئين وتقريب العذاب:
هم سألوا استبعاداً واستهزاءً: {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}.
فلم يعين لهم زمناً يتلهون به، بل ألقى في قلوبهم الرعب بأن العذاب قد التصق بهم ودنا من ظهورهم وهو يتربص بهم في أي لحظة؛ مما يقطع ضحكهم ويملأ نفوسهم قلقاً ووجلاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة إنزال "بعض" العذاب في الدنيا وتأخير الباقي:
محاكمة سننية وسياقية:
لماذا قال {بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} ولم يقل: العذاب كله؟
لأن سنة الله في أمة النبي محمد ﷺ قضت برفع عذاب الاستئصال العام الماحق (كالصيحة والغرق التام)، وإنما ينال المعاندين "بعض" العذاب في الدنيا كالهزيمة في المعارك، والقتل والأسر، والخزي؛ ليبقى الباقي الأعظم من العذاب موفوراً في نار جهنم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
استعارة تمثيلية غاية في الروعة؛ حيث شبه دنو العذاب والتصاقه بهم بالراكب الرديف الذي يلتصق بظهر صاحبه على الدابة ولا يفصله عنه شيء؛ مما يجسد ملاصقة الخطر وحتميته.
التعبير بـ {عَسَىٰ} التي تفيد التحقيق والوقوع الحتمي من الله تبارك وتعالى.
تدبر غفلة الإنسان: يضحك المستهزئ والعذاب يلاحقه كرديفه وهو لا يدري!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الإمهال الإلهي:
لا يغتر العاصي بضحكه وتأخر عقابه؛ فربما كان العذاب ردف له واقترب من بابه وهو في سكرته يعمه.
اليقين بوعيد الله: وعد الله واقع لا محالة، ونصر أوليائه وانكسار أعدائه مسألة وقت يحدده الحكيم العليم.