أخرج الطبري (19/467)مصدر غير محدد١٩/٤٦٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}: "قالت بلقيس لقومها رداً على حماستهم للقتال: إن الملوك إذا دخلوا بلداً أو قرية عنوة وقهراً بالحروب خربوا ديارها، وعطلوا منافعها، وأهانوا سادتها وأشرافها، وأذلوهم بالقتل والأسر؛ لئلا يبقى لهم رأس يناهضهم، ثم جاء التصديق الرباني لكلامها فقال الله تعالى مؤكداً: {وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}".
وروى ابن أبي حاتم (8/2787)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٧ عن ابن عباس قال: "{وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}: هذا من قول الله عز وجل تصديقاً لقول بلقيس وإقراراً لسنتها في حروب الملوك".
وقال ابن كثير (6/186)مصدر غير محدد٦/١٨٦: "حذرت قومها من مغبة التسرع في خوض الحرب مع هذا الملك غير العادي؛ مبينة أن غزو الملوك للأمصار يجر الخراب العام المحيط، ويقلب موازين المجتمع فيصير العزيز ذليلاً والشريف مهاناً، وصادقها الله على هذا التحليل الواقعي".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْمُلُوكَ}: جمع ملك، والمراد غالب ملوك الأرض الجبابرة الذين يقودهم طمع التوسع وقهر الأمم.
{قَرْيَةً}: البلدة أو المدينة المأهولة بالسكان، سُميت بذلك لاجتماع الناس فيها من القرى وهو الجمع.
{أَفْسَدُوهَا}: خربوا عمرانها ونهبوا ثرواتها وأشاعوا الخوف فيها.
{أَعِزَّةَ}: جمع عزيز، وهم أشراف القوم وأهل الصدارة والمكانة والشرف.
{أَذِلَّةً}: جمع ذليل، مقهورين مستعبدين مسلوبي الإرادة والكرامة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالَتْ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هي.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الْمُلُوكَ}: اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط.
{دَخَلُوا}: فعل ماض وفاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "إذا".
{قَرْيَةً}: مفعول به منصوب (أو منصوب على التوسع في الظرفية).
{أَفْسَدُوهَا}: فعل ماض وفاعل ومفعول به، والجملة جواب الشرط لا محل لها، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر إن.
{وَجَعَلُوا}: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعل.
{أَعِزَّةَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{أَهْلِهَا}: مضاف إليه مخفوض، والها مضاف إليه.
{أَذِلَّةً}: مفعول به ثانٍ لـ "جعلوا" منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَكَذَٰلِكَ}: الواو استئنافية تصديقية، الكاف حرف جر، "ذا" اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم، واللام للبعد والكاف للخطاب.
وهي واجهت اندفاعهم بقانون التاريخ وسنن الحروب: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا...}.
فأعادتهم إلى رشدهم بالتفكير في العواقب والدمار الذي سيلحق بمملكتهم وشعبهم إذا هُزموا، مما يبرز عمق استشرافها للمآلات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير قائل {وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}:
مسألة تفسيرية أثرية دقيقة: هل هذه الجملة من بقية كلام بلقيس مؤكدة به رأيها، أم هي كلام مستأنف من الله تصديقاً لها؟
المحاكمة والتحرير:
القول الأول: هو كلام الله عز وجل نزل تصديقاً لكلامها وإقراراً لهذه الحقيقة التاريخية؛ وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وابن جرير، وهو الأقوى أثراً.
القول الثاني: هو من تمام كلام بلقيس تؤكد به لقومها أن هذا دأب الملوك المستقر وسنتهم الدائمة في الحروب.
وعلى كلا القولين: المعنى يقرر سنة اجتماعية وسياسية مطردة في الحروب الاستعمارية عبر كل العصور.