أخرج الطبري (19/450)مصدر غير محدد١٩/٤٥٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة في قوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ}: "كان سليمان عليه السلام ملكاً حازماً يتفقد جيشه ورعيته في كل منزل ينزله، وكان الهدهد خبيراً بالماء في قعر الأرض يبصره بنقبته، فنزل سليمان منزلاً فاحتاج إلى الماء، فتفقد الطير ليأمر الهدهد بالبحث عن الماء فلم يجده".
وروى سعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس: أنه سئل كيف يرى الهدهد الماء في بطن الأرض وهو يُنصب له الفخ عليه ذرة من تراب فيصاد به؟ فقال ابن عباس: "ويحك! إذا جاء القدر عمي البصر".
وقال ابن كثير (6/181)مصدر غير محدد٦/١٨١: "يدل هذا على كمال حزمه وشدة عنايته برعيته؛ فإنه مع اتساع ملكه وكثرة جيوشه لم يغفل عن طائر صغير في عسكره، بل تفقده وعلم غيبته دون سائر الطيور".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تَفَقَّدَ}: التفقّد تطلب ما فُقد والبحث عن الشيء للتعرف على وجوده وحاله ونقصه وتطلبه باهتمام وحرص.
{مَا لِيَ}: استفهام عن سبب عدم الرؤية، وفيه معنى التثبت ولوم النفس أولاً.
{الْهُدْهُدَ}: طائر معروف ذو خطوط وألوان وقنزعة، سُمي بذلك لصوته (الهدهدة).
{أَمْ}: منقطعة بمعنى "بل" والهمزة، للإضراب والانتقال من عتاب نفسه بعدم الرؤية إلى التحقيق في غيبته.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَتَفَقَّدَ}: الواو عاطفة، {تَفَقَّدَ} فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
{الطَّيْرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَقَالَ}: عاطف ومعطوف.
{مَا}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{لِيَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: {مَا لِيَ} بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي بإسكانها).
{لَا أَرَى}: "لا" نافية، {أَرَى} فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة في محل نصب حال من ضمير المتكلم في "لي".
{الْهُدْهُدَ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{أَمْ}: حرف عطف وإضراب منقطع بمعنى "بل" والهمزة.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
من عالم النمل إلى عالم الطير، ودقة القيادة النبوية:
انتقل النظم من رعاية النملة الصغيرة في واديها إلى تفقد الطائر الصغير في جو السماء.
وهذا الربط يبين الإحاطة العجيبة لملك سليمان؛ حيث لا تشغله الأمور العظام عن أدق التفاصيل في رعيته، مما يعكس الأمانة القيادية المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أدب التثبت ولوم النفس قبل اتهام الآخرين:
محاكمة تربوية ونفسية في أسلوب سليمان:
لم يبادر سليمان باتهام الهدهد بالفرار أو التمرد فور غيبته، بل بدأ بالاستفهام الموجه إلى بصره هو: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ}؛ متسائلاً: هل الهدهد حاضر في صفه ولكن غاب عن بصري لمانع، أم أنه غائب حقاً؟!
وهذا غاية الأدب والإنصاف من القائد؛ فلا يتسرع في إلقاء اللوم على رعيته حتى يستبرئ الأمر ويتثبت من حقيقة الواقع.