أخرج الطبري (19/502)مصدر غير محدد١٩/٥٠٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ}: "فصّل لهم الفاحشة وقبحها الشنيع؛ أي كيف تدعون ما أحل الله لكم من النساء اللاتي خلقن لكم لإعفافكم وتناسلكم، وتعدلون إلى الرجال شهوة محرمة وانتكاساً قبيحاً، {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}: أي تجهلون حق الله وعظمته وعقابه، وتجهلون قبح ما تأتون وسوء مغبته، وتتصرفون تصرف السفهاء الذين لا عقول لهم تردعهم".
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بتسهيل الهمزة الثانية مع الإدخال أو عدمه، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر بتحقيق الهمزتين: {أَئِنَّكُمْ}.
وقال ابن كثير (6/194)مصدر غير محدد٦/١٩٤: "أنكر عليهم غاية الإنكار مباينتهم للفطرة وإعراضهم عن الإناث اللاتي خلقهن الله لشهوة النكاح، واستبدال ذلك بالذكور، ووصفهم بأنهم قوم يجهلون؛ والجهل هنا هو السفه وانتكاس العقل ومخالفة العلم والشرع".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَئِنَّكُمْ}: همزة استفهام إنكاري دخلت على إن المشبهة بالفعل والضمير للتوكيد والتقريع.
{شَهْوَةً}: مفعول لأجله أو مصدر في موضع الحال؛ أي لمجرد قضاء شهوة بهيمية عمياء من غير قصد لعفاف أو نسل.
{مِّن دُونِ النِّسَاءِ}: مجاوزين لما شرعه الله وأحله من النساء.
{تَجْهَلُونَ}: الجهل هنا ضد الحلم والعقل والحكمة، وهو ارتكاب القبيح مع العلم بعاقبته وسفاهة الرأي.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَئِنَّكُمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها والميم للجمع.
{الرِّجَالَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
{شَهْوَةً}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة (أي لأجل الشهوة)، أو مصدر في موضع الحال (أي مشتهين).
{مِّن دُونِ}: متعلق بمحذوف حال من "الرجال" أو "شهوة"، ودون مضاف.
{النِّسَاءِ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال لبيان أصل العلة.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{قَوْمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{تَجْهَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة نعت لـ {قَوْمٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل المنكر بعد إجماله لقطع كل عذر:
في الآية السابقة أجمل الإنكار: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}.
وهنا في الآية (55) فصّل قبح الجريمة صراحة دون مواربة: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ}.
وهذا التصريح القرآني مقصود في النظم لبيان بشاعة التحول؛ حتى لا يبقى للمجرم أدنى مهرب من مواجهة الحقيقة المخزية لفعله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى "الجهل" في ميزان القرآن:
محاكمة فلسفية وأخلاقية:
قال تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}؛ فهل كان قوم لوط يجهلون الحكم العقلي أو الديني؟
الجواب: الجهل في لسان العرب والقرآن نوعان:
جهل عدم العلم (وهو بسيط يزول بالتعلم).
جهل السفه والسلوك المنحرف: وهو أن يعلم الإنسان الحق ولكنه يفعل فعل الجاهل سفهاً واتباعاً للهوى؛ فكل من عصى الله فهو جاهل بسفهه وضعف عقله واستهانته بعذاب الله؛ كما قال يوسف عليه السلام: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}.