أخرج الطبري (19/500)مصدر غير محدد١٩/٥٠٠ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}: "أنجى الله نبيه صالحاً ومن معه من المؤمنين المستضعفين الذين صدقوا به، وحفظهم من الصيحة والرجفة التي أهلكت ثمود؛ لأنهم كانوا يتقون الشرك والمعاصي ويطيعون ربهم".
وروى ابن أبي حاتم (8/2798)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٨ عن السدي: "خرج صالح بمن آمن معه وساروا حتى نزلوا أرض الشام أو الرملة، فسلّمهم الله من عذاب الاستئصال".
وقال ابن كثير (6/193)مصدر غير محدد٦/١٩٣: "هذه سنة الله الماضية في خلقه؛ فإذا نزل العذاب بأمة كافرة سلّم الله رسله وأولياءه المؤمنين المتقين؛ كرامة لهم ورحمة بهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَنجَيْنَا}: الإنقاذ والتخليص والسلامة من المهالك والعذاب المستأصل.
{يَتَّقُونَ}: الاتقاء جعل وقاية وحاجز من طاعة الله يحمي من سخطه وعقابه، وبناء المضارع يدل على الملازمة والاستمرار.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَأَنجَيْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ {أَنجَيْنَا}.
{آمَنُوا}: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَكَانُوا}: الواو عاطفة، كان واسمها الواو.
{يَتَّقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر كانوا، وجملة كانوا معطوفة على الصلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين هلاك الظالمين ونجاة المتقين:
بعد أن ذكر في الآيتين السابقتين دمار المجرمين: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}.
أردف مباشرة ببيان الجانب المشرق المقابل: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
لئلا يظن ظان أن العذاب المستأصل عم الجميع، بل فرّق الله بحكمته وعدله بين أوليائه وأعدائه؛ مما يبث الطمأنينة في قلوب المستضعفين في مكة وفي كل عصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ركنا النجاة في الدنيا والآخرة:
محاكمة عقدية وسلوكية:
علق الله النجاة على وصفين متلازمين:
الإيمان القلبي: {الَّذِينَ آمَنُوا}.
التقوى العملية السلوكية المستمرة: {وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
فلا نجاة بمجرد ادعاء الإيمان باللسان مع ترك التقوى والوقوع في المعاصي، ولا اعتبار لعمل صالح بغير إيمان وتوحيد؛ فاجتماع الإيمان والتقوى هو سبب ولاية الله وأمانه في الدنيا والآخرة.
الجمع بين الماضي والمضارع في {آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}:
التعبير بالماضي {آمَنُوا} لثبوت أصل الإيمان واستقراره في قلوبهم.
والتعبير بـ {كَانُوا يَتَّقُونَ} بالفعل المضارع بعد "كان" للدلالة على استمرار التقوى وتجددها وملازمتها لهم في كل حركاتهم وسكناتهم؛ فالتقوى عندهم خلق دائم وليست عملاً عارضاً.
تدبر عدل الله: الله لا يضيع أجر المحسنين، وفي أحلك لحظات العقاب الجماعي يحفظ الله أولياءه برعايته الخاصة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستمساك بالتقوى في زمن الفتن والشدائد:
التقوى هي طوق النجاة الأوحد؛ فإذا اضطربت المجتمعات ونزلت العقوبات كان أهل التقوى في أمان الله وحفظه.
تثبيت المؤمنين المستضعفين: تذكير الدعاة الصابرين بأن العاقبة للمتقين مهما طال استعلاء المفسدين.