أخرج الطبري (19/501)مصدر غير محدد١٩/٥٠١ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "واذكر نبي الله لوطاً عليه السلام حين بعثه الله إلى أهل سدوم، فقال لهم ناصحاً ومحذراً: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}: وهي إتيان الذكور في الأدبار التي لم يسبقكم إليها أحد من العالمين، {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}: أي تبصرون قبحها وفجاجتها بعقولكم وفطركم، أو تبصرون بعضكم بعضاً وأنتم ترتكبونها مجاهرة وعلانية في نواديكم دون حياء ولا ستر".
وروى ابن أبي حاتم (8/2799)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٩ عن قتادة: "{وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}: كانوا يأتون المنكر في ناديهم عياناً ينظر بعضهم إلى بعض جهاراً نهاراً؛ فجمعوا بين الفاحشة والمجاهرة والوقاحة".
وقال ابن كثير (6/194)مصدر غير محدد٦/١٩٤: "ينكر لوط عليه السلام على قومه ارتكاب تلك الخطيئة الشنيعة التي تنفر منها الفطر السليمة، منبهاً إياهم على أنهم يرتكبونها وهم يعلمون قبحها ويبصرون منكرها؛ فكانت حجة الله عليهم أبلغ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْفَاحِشَةَ}: المعصية البالغة أقصى درجات القبح والشناعة والخروج عن حدود الشرع والعقل، وتُطلق خاصة على الزنا واللواط لشناعتهما.
{تُبْصِرُونَ}: الإبصار هنا بصري (يرى بعضهم بعضاً علانية)، أو عقلي قلبي (تبصرون قبحها وتعلمون فسادها).
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَلُوطًا}: الواو عاطفة، {لُوطًا} مفعول به لفعل محذوف تقديره "واذكر لوطاً" منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف لخفة سكون وسطه صُرف).
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل المحذوف "اذكر".
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "إذ".
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتكاس الفطرة وجريمة المجاهرة:
محاكمة نقدية لأخلاقيات الشذوذ والمجاهرة المعاصرة:
سمى القرآن هذا الفعل {الْفَاحِشَةَ} بأل العهدية الدالة على استغراق الشناعة؛ لأنها خروج عن سنن الكون في استمرار النسل والتكامل بين الزوجين، وانحدار بالبشرية إلى درك أسوأ من الحيوانات والبهائم؛ فإن ذكور البهائم لا تنزو على ذكورها.
وقرن ذلك بقوله: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}: ليدل على أن أسوأ مراحل السقوط الأخلاقي هي "المجاهرة العلنية وإسقاط الحياء"؛ فحين تتبجح الرذيلة في النوادي والمحافل العامة يسقط المجتمع ويستحق غضب الجبار.
الهمزة تفرغ شحنة الاستنكار والاشمئزاز من هذا الفعل الهابط.
دلالة الحال {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}: تجعل ارتكاب الجريمة مع العلم بقبحها ورؤيتها جريمة مضاعفة لا عذر لمرتكبها؛ فالجاهل قد يُعذر بجهله، أما المبصر العارف المجاهر فلا عذر له.