أخرج الطبري (19/456)مصدر غير محدد١٩/٤٥٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري: "المرأة هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ بأرض مأرب من اليمن، {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}: من آلات الملك والسلطان والعتاد والجيوش والحصون والذهب والفضة والنعيم، {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}: سرير ملك ضخم مرصع بالدر والياقوت والذهب تجلس عليه لإدارة شؤون مملكتها".
وروى ابن أبي حاتم (8/2779)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٩ عن ابن عباس: "كان عرش بلقيس من ذهب، وقوائمه جوهر ولؤلؤ، وكان طوله ثمانين ذراعاً وعرضه أربعين ذراعاً".
وقال ابن كثير (6/182)مصدر غير محدد٦/١٨٢: "يصف الهدهد ما شاهده في سبأ؛ فرأى مملكة عظيمة الحظوة الدنيوية تحكمها امرأة ذات سطوة، أوتيت من أسباب الحكم والمتاع والزينة ما يكون لأعظم الملوك، ولها سرير فخم متسع الصنع هائل المنظر يرمز إلى استقرار ملكها وهيبتها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{وَجَدتُّ}: الوجدان هنا بصري وعلمي؛ أي عاينت ورأيت بعد طلب وفحص.
{امْرَأَةً}: تنكير للتعجب من تولي امرأة سدة الملك على قوم من العرب أولي بأس شديد.
{تَمْلِكُهُمْ}: تحكمهم وتتصرف في شؤونهم بقوة وسلطان مطاع.
{عَرْشٌ}: سرير الملك ومستقر السلطة والرياسة.
{عَظِيمٌ}: متسع ضخم في مقاييس الملوك وهيئتهم وصناعتهم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{إِنِّي}: إن واسمها.
{وَجَدتُّ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والجملة خبر إن.
{امْرَأَةً}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{تَمْلِكُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هي، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت لـ {امْرَأَةً} (أو مفعول به ثانٍ لـ وجد).
هل أوتيت بلقيس كل شيء في الوجود حقيقة؟ قطعاً لا؛ فإنها لم تؤت ملك سليمان، ولا تسخير الريح، ولا منطق الطير.
فاللفظ من "العام المخصوص" أو "العام الذي أُريد به الخاص" بحسب القرائن والعرف؛ أي أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك لإرساء دعائم الملك والتمكين في زمانها من الأموال والجيوش والسلاح؛ وهذا كقوله تعالى في ريح عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي كل شيء أُرسلت لتدميره من ديارهم وأنفسهم وأموالهم.
تنكير "امرأة" لإثارة الاستغراب والعجب من غلبة امرأة وتتويجها على رجال سبأ.
وصف العرش بأنه "عظيم" هو عظمة مقيدة بالنسبة لعروش أهل الدنيا في ذلك العصر، حتى إذا جاءت الآية (26) قرر الحقيقة المطلقة: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، فتبين أن كل عرش بشري قزم حقير أمام عرش الرحمن الأعظم.
تدبر الذكاء الفطري للطير: الهدهد ميز بين الملك الصالح والملك الباطل وأدرك مقومات الدول والحضارات بفطرته التي فطرها الله عليها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحليل الموضوعي لقوة الخصم قبل مواجهته:
الداعية والقائد السياسي والعسكري يجب أن يقيم العدو تقييماً دقيقاً دون تهوين أو تهويل؛ فيعرف مواطن قوته الاقتصادية والسياسية ليواجهها بالحكمة والإعداد المناسب.
خطورة الاغترار بالمظاهر المادية: العروش الضخمة والقصور الفخمة لا قيمة لها إذا كانت خاوية من الإيمان والتوحيد.