أخرج الطبري (19/521)مصدر غير محدد١٩/٥٢١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ}: "حكى الله شبهة كفار قريش ومكذبي الأمم في إنكار البعث؛ قالوا مستهزئين ومستبعدين: أإذا متنا وبليت أجسادنا وصرنا تراباً ورفاتاً، وبلي آباؤنا الأولون وصاروا تراباً، أنبعث ونخرج من قبورنا أحياء مرة أخرى؟! هذا في ظنهم محال".
وقرأ نافع والكسائي ويعقوب بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا إِنَّا لَمُخْرَجُونَ}، وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة بالاستفهام فيهما: {أَئِذَا... أَئِنَّا} مع تحقيق الهمزتين أو تسهيل الثانية.
وقال ابن كثير (6/198)مصدر غير محدد٦/١٩٨: "هذه هي الشبهة العتيقة التي طالما تشبث بها المشركون؛ وهي قياس قدرة الخالق المطلقة على قدرة المخلوق العاجز؛ فاستبعدوا إعادة الأجساد بعد فنائها وتفتتها في التراب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تُرَابًا}: الأرض المفتتة الجافة التي لا حياة فيها، وهو المآل الحسي للجسد بعد البلى.
{لَمُخْرَجُونَ}: الإخراج هنا هو الإحياء والبعث من الأجداث والقبور إلى صعيد المحشر.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَقَالَ}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
{كَفَرُوا}: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{أَإِذَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الاستبعادي، "إذا" ظرف زمان متضمن معنى الشرط متعلق بـ {لَمُخْرَجُونَ} أو بمحذوف دل عليه.
{كُنَّا}: كان واسمها ضمير "نا".
{تُرَابًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَآبَاؤُنَا}: معطوف على الضمير "نا" في كنا مرفوع بالضمة (أو مفعول معه).
{أَئِنَّا}: الهمزة للاستفهام، إن حرف توكيد ونصب، و"نا" اسمها.
{لَمُخْرَجُونَ}: اللام المزحلقة، {مُخْرَجُونَ} خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من توصيف شكهم إلى ذكر حجتهم الواهية:
لما وصفهم في الآية السابقة بالشك والعمى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ}.
أورد هنا نص مقالتهم التي بنوا عليها هذا الشك والعمى: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ}.
ليبرهن على تفاهة شبهتهم وسقوطها؛ فهي مجرد استبعاد حسي قاصر لا يستند إلى أثارة من علم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان استبعاد إعادة الرفات والتراب:
محاكمة عقلية برهانية:
الشبهة: كيف يجتمع التراب المتفرق ويعود إنساناً سوياً كما كان؟!
البرهان القرآني الدامغ:
أليس الذي خلق هذا الإنسان أول مرة من نطفة وتراب قادراً على إعادته؟! الابتداء أصعب في مقاييس العقول من الإعادة.
والتراب مادة قابلة لإعادة التشكيل، والفاعل هو الله العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علماً، ويعلم ما تنقص الأرض منهم وعنده كتاب حفيظ؛ فالاستبعاد مبني على قياس فاسد؛ قاسوا قدرة الخالق غير المتناهية على عجز المخلوق الفاني.
يدل على شدة إنكارهم وجحودهم واستهزائهم بحقيقة البعث.
عطف {وَآبَاؤُنَا}: للمبالغة في الاستبعاد؛ أي آباؤنا الأقدمون الذين ماتوا منذ آلاف السنين وتفرقت ذراتهم في بطون الأرض والسباع؛ كيف يعودون؟!
تدبر قصر النظر المادي: الكافر سجين حواسه الضيقة؛ فما لا يراه بعينه في الدنيا ينكره ويكذب به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير العقل من قيود المادية الصرفة:
الإيمان بالغيب والبعث ينقل الإنسان من ضيق النظرة الحيوانية المادية إلى فضاء اليقين بعظمة الخالق وقدرته التي لا تحدها حدود.
الرد على الإلحاد المعاصر: الشبهات المعاصرة حول إنكار ما بعد الموت هي ذاتها شبهات الجاهلية الأولى، وسلاح الرد هو إبراز كمال قدرة الله في بدء الخلق وعجائب الصنع.