أخرج الطبري (19/440)مصدر غير محدد١٩/٤٤٠ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، قال: جاءتهم البراهين والدلائل التسع واضحة نيرة بينة تبصرهم بالحق وتدلهم على الله، فقابلوها بالعناد والجحود وقالوا: هذا سحر واضح بين ومكر مفترى.
وروى ابن أبي حاتم (8/2769)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٩ عن ابن زيد: "{مُبْصِرَةً}: أي مضيئة منيرة تبصر بالحق من نظر إليها، فجعلوها سحراً مكابرة للعيان".
وقال ابن كثير (6/177)مصدر غير محدد٦/١٧٧: "أي فلما جاءت فرعون وقومه آياتنا التسع ظاهرة واضحة بينة لا يقدر عليها إلا الله، عاندوا وكذبوا وقالوا: هذا سحر مبين، يريدون بذلك صرف الناس عنها وتغطية ضيائها الساطع بأوهام البهتان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{مُبْصِرَةً}: اسم فاعل من أبصر، واستعمل هنا إما بمعنى متبصرة في ذاتها منيرة نيرة، وإما من باب المجاز العقلي أي ذات إبصار لمن تأملها تجعله مبصراً لحقائق التوحيد.
{سِحْرٌ}: صرف الشيء عن وجهه الحقيقي بالتمويه والتخييل، والرمي بالسحر هو التهمة الجاهزة عند الطغاة لرد دلائل الرسل.
{مُّبِينٌ}: واضح ظاهر في كونه سحراً بزعمهم الفاسد وافترائهم الوقح.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، "لما" ظرفية زمانية متضمنة معنى الشرط.
{جَاءَتْهُمْ}: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به.
{آيَاتُنَا}: فاعل مرفوع، و"نا" مضاف إليه.
{مُبْصِرَةً}: حال منصوبة من {آيَاتُنَا} وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة.
{قَالُوا}: فعل ماض وفاعل، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
{هَٰذَا}: ها للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
{سِحْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّبِينٌ}: نعت لـ {سِحْرٌ} مرفوع، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفارقة الصارخة بين وضوح الآية ووقاحة التكذيب:
النظم القرآني وضع الآيات في أوج النور والإبصار: {آيَاتُنَا مُبْصِرَةً}، ثم قابلها فوراً بالرد الجاهلي الصفيق: {قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
وهذا التناقض الصارخ يكشف انعدام النزاهة والمصداقية عند الخصم؛ فالشيء البين المضيء الذي يحمل الهداية يسمونه سحراً مبيناً للتنفير منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فرية السحر حجة العاجز المفلس:
محاكمة عقلية وتاريخية: لماذا يلجأ المكذبون عبر كل العصور إلى تهمة "السحر" حين يعجزون؟
لأن المعجزة تخرق العادة وتفوق قدرة البشر العادية، والخصم المكذب عاجز عن معارضتها بمثلها، ولا يريد أن يعترف بكونها من عند الله لئلا يلزمه الإيمان والانقياد؛ فلم يبق أمامه إلا أن يشوش على عقول الدهماء بإطلاق كلمة "سحر" ليوهمهم بأنها خدعة مهارية يمكن إبطالها، حتى إذا ما نزل السحرة أنفسهم خروا لله سجداً وبطلت حيلته.
مجاز عقلي بديع؛ حيث أسند الإبصار إلى الآيات والمراد أنها سبب لإبصار الناس وهدايتهم، أو جعل الآيات من شدة وضوحها كأنها هي التي تبصر وترى، وهذا أبلغ في الدلالة على الإنارة والسطوع.
تدبر علل التكذيب: التكذيب لا ينشأ دوماً عن خفاء الدليل، بل ينشأ في كثير من الأحيان عن فساد القلب وعداوة الحقيقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات في وجه التشويه الإعلامي:
على الداعية ألا ينزعج إذا رُميت دعوته بأشنع التهم الباطلة (كالتطرف، أو الرجعية، أو السحر، أو الخيانة)؛ فهذا ديدن أهل الباطل مع أشرف الرسل.
الحجة القوية تفضح نفسها وتكشف بهتان خصومها مهما حاولوا تغطيتها بالأكاذيب.