أخرج الطبري (19/522)مصدر غير محدد١٩/٥٢٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ}: "قال كفار قريش: لقد سمعنا هذا الكلام وتوعدنا بهذا البعث نحن وآباؤنا من قبل على ألسنة من يدعي النبوة فما رأينا أحداً قام من قبره ولا رأينا له حقيقة؛ {إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}: ما هذا الذي تقوله يا محمد إلا أكاذيب وأباطيل سطرتها كتب الأقدمين وتوارثوها كالأحاديث المفتراة والخرافات التي لا أصل لها".
وقال ابن كثير (6/198)مصدر غير محدد٦/١٩٨: "يقولون: ما هذا إلا شيء تلقاه الناس بعضهم عن بعض، يسطرونه في كتبهم، وإلا فلا حقيقة له ولا وقوع؛ تكذيباً بالوحي وسفاهة في الرأي".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{وُعِدْنَا}: مبني للمجهول، والوعد هنا الإنذار والإخبار بالبعث والحساب.
{مِن قَبْلُ}: في الزمان السالف والأعصار الماضية.
{إِنْ}: حرف نفي بمعنى "ما".
{أَسَاطِيرُ}: جمع أسطورة أو أسطار، وهي الأباطيل والأحاديث المكتوبة التي لا خطام لها ولا زمام ولا أصل لها من الصحة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{لَقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق.
{وُعِدْنَا}: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، و"نا" ضمير في محل رفع نائب فاعل.
{هَٰذَا}: مفعول به ثانٍ منصوب محلاً.
{نَحْنُ}: توكيد لضمير "نا" في وعدنا.
{وَآبَاؤُنَا}: معطوف على الضمير مرفوع بالضمة، و"نا" مضاف إليه.
{مِن قَبْلُ}: جار ومجرور مبني على الضم في محل جر لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى.
{إِنْ}: نافية لا عمل لها.
{هَٰذَا}: مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{أَسَاطِيرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مخفوض بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مقول قولهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعزيز الشبهة بدعوى التقادم التاريخي والهروب من الدليل:
عجزوا عن مواجهة براهين الخلق بالدليل العقلي؛ ففروا إلى الطعن في التاريخ والادعاء بأن هذه دعوى قديمة لم نر تحققها: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا}.
ثم رموا الوحي بالتهمة الجاهزة: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}؛ وهو دأب المفلسين حين يعجزون عن مجاراة النور فيرمونه بالظلمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تواتر الوعد بالبعث حجة عليهم لا لهم:
محاكمة تاريخية ومنطقية:
زعموا أن توارث الوعد بالبعث جيلاً بعد جيل دون وقوعه في الدنيا دليل على كونه خرافة!
والرد الحاسم: هذا قلب للمنطق؛ فتواتر رسالات الأنبياء من لدن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى إلى محمد ﷺ على تقرير حقيقة البعث برهان ساطع على صدق القضية ووحدة المصدر الإلهي؛ لأن الحقائق الكبرى لا تتبدل بمرور الزمان.
والوعد بالبعث ليس موعده الدنيا حتى يطالبوا بوقوعه الآن، بل موعده يوم القيامة بعد فناء هذا العالم؛ فاستعجالهم في الدنيا حماقة وجهل بحكمة الابتلاء.