أخرج أحمد في "مسنده" (برقم 6511)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥١١ والترمذي (برقم 3244)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٤٤ وصححه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصُّور؟ قال: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ".
وأخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب الفتن، برقم 2940)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٤٠ من حديث عبد الله بن عمرو في ذكر النفخ في الصور: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً... ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون".
وروى الطبري في "جامع البيان" (19/510)جامع البيانالطبري١٩/٥١٠ بسنده عن قتادة وغيره في قوله: {إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ}: هم الشهداء، وقيل الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل الحور العين وخزنة الجنة والنار؛ وذهب ابن حزم وابن تيمية إلى أن الاستثناء متناول لمن في الجنة من الحور والولدان ومن كتب الله له الأمن والسكينة.
وفسّر ابن عباس {دَاخِرِينَ}: أي صاغرين ذليلين منقادين لعظمة الله وجلاله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{الصُّورِ}: القرن العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام بأمر ربه.
{فَفَزِعَ}: الفزع هو الخوف الشديد والذعر البالغ الذي يطير له الفؤاد وتذهل منه العقول.
{دَاخِرِينَ}: الدخور هو الصغار والذل والخضوع التام لأمر الله وجبروته.
الإعراب:
{وَيَوْمَ}: مفعول به لفعل محذوف تقديره "واذكر يومَ".
{يُنفَخُ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع.
{فِي الصُّورِ}: جار ومجرور نائب فاعل لـ{يُنفَخُ}.
{فَفَزِعَ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب الفوري، فزع فعل ماض عبّر به عن المستقبل لتحقق وقوعه.
{مَن}: اسم موصول فاعل فزع.
{فِي السَّمَاوَاتِ}: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
{وَمَن فِي الْأَرْضِ}: معطوف على الصلة.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَن}: اسم موصول في محل نصب على الاستثناء المتصل أو المنقطع.
{شَاءَ اللَّهُ}: فعل وفاعل والمفعول محذوف تقديره سلامته من الفزع، والجملة صلة.
{وَكُلٌّ}: الواو حالية أو استئنافية، كل مبتدأ مرفوع وتنوينه تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف (أي وكلهم).
{أَتَوْهُ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل رفع خبر كل.
{دَاخِرِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وموقع النفخة:
لما ذكر الأدلة الكونية المألوفة (الليل والنهار)، أتبعها بما سينهي هذا النظام المألوف برمته؛ وهو النفخ في الصور الذي يزلزل السماوات والأرض ويدخل الخلائق في أهوال القيامة والفزع الأكبر؛ فمن دبر هذا الكون الدقيق سينهيه بصوت نفخة واحدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
عدد النفخات في الصور والتوفيق بين آية الفزع وآية الصعق:
محاكمة أصولية حديثية:
في سورة النمل ذكر {فَفَزِعَ}، وفي سورة الزمر ذكر {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ}؛
واختلف العلماء هل النفخات اثنتان أم ثلاث؟
القول الأول (ابن العربي وابن تيمية وابن كثير): أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع لتنبيه الخلائق واضطرابهم، ونفخة الصعق لموتهم، ونفخة البعث والنشور لقيامهم بين يدي الله.
القول الثاني (القرطبي والنووي وابن حجر): أنها نفختان فقط: نفخة الصعق الأولى وفي بدئها يحصل الفزع الشديد الذي يؤدي إلى الصعق والموت، ونفخة البعث والنشور الثانية؛ بدليل حديث الصحيحين: "بين النفختين أربعون"؛ فالفزع أول النفخة الأولى والصعق منتهاها، والجمع بين القولين يسير ولا تناقض في نصوص الوحي.
أسلوب قرآني معجز؛ أتى بالفعل الماضي {فَفَزِعَ} بعد المضارع {يُنفَخُ} للتنبيه على أن هذا الحدث المستقبلي قطعي الوقوع لا محالة كأنه وقع ومضى، وفيه إبراز للسرعة الهائلة التي يعقب بها الفزع النفخ في الصور.
عموم {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}:
تنوين {كُلٌّ} لاستغراق جميع أصناف المخلوقات من إنس وجن وملائكة؛ فلا يستكبر متكبر ولا يمتنع جبار، بل يأتيه الجميع خاضعين مستسلمين لعزة الملك الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إعداد العدة للنجاة من الفزع الأكبر:
استشعار هيبة ذلك اليوم المفزع، والتماس أسباب الأمن الإلهي بالعمل الصالح والإخلاص والتقوى؛ حتى يكون العبد ممن شملهم الاستثناء الإلهي {إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ}.
التواضع لله وخلع رداء الكبر:
إذا كان أعظم ملوك الأرض والملائكة المقربون يأتون الله صاغرين داخرين، فما بال الإنسان الضعيف يستكبر في دنياه عن طاعة ربه وحكم شرعه؟!