أخرج الطبري (19/441)مصدر غير محدد١٩/٤٤١ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}: "أيقنوا بقلوبهم أنها حق من عند الله، ولكنهم كذبوا بها بألسنتهم وأظهروا إنكارها كبراً واستعلاءً وظلماً؛ مخافة أن يسلبوا ملكهم ورياستهم".
وروى ابن أبي حاتم (8/2770)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٠ عن قتادة: "علم القوم يقيناً أنها آيات من الله، ولكن حملهم على الجحود الحسد والكبر وطلب العلو في الأرض والظلم".
وقال ابن كثير (6/177)مصدر غير محدد٦/١٧٧: "هذه الآية قاعدة كلية في بيان حال الكفار المعاندين؛ أي لم يكن كفرهم لقصور في البراهين ولا لعدم معرفة الحق، بل كانوا متيقنين في بواطنهم أنها حق من ربهم، ولكن كفروا بها ظاهراً ظلماً وتكبراً وعتواً؛ فكانت عاقبتهم الهلاك والخزي في الدنيا والآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{جَحَدُوا}: الجحود هو إنكار باللسان لما يعلمه القلب ويثبته العقل؛ فهو نفي ناطق مع يقين باطن.
{اسْتَيْقَنَتْهَا}: زيادة السين والتاء للمبالغة والتمكن؛ أي ثبت اليقين التام في قرارة نفوسهم ثبوتاً لا يتطرق إليه شك ولا ريب.
{ظُلْمًا}: وضع الشيء في غير موضعه والعدوان على الحقيقة.
{عُلُوًّا}: تكبراً واستعلاءً وترفعاً عن الانقياد للحق ولرسول من البشر.
{عَاقِبَةُ}: آخر الأمر ومآله وجزاؤه النهائي.
{الْمُفْسِدِينَ}: الذين أفسدوا عقائدهم وعقولهم وأفسدوا مجتمعاتهم بصد الناس عن سبيل الله.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَجَحَدُوا}: الواو عاطفة، {جَحَدُوا} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{بِهَا}: متعلق بـ {جَحَدُوا}.
{وَاسْتَيْقَنَتْهَا}: الواو حالية (أي وقد استيقنتها) أو عاطفة، {اسْتَيْقَنَتْهَا} فعل ماض والتاء للتأنيث، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به مقدم.
{ظُلْمًا}: مفعول لأجله منصوب (أي لأجل الظلم والعلو)، أو حال من فاعل جحدوا (أي ظالمين ومستعلين)، أو مصدر في موضع الحال.
{وَعُلُوًّا}: معطوف على {ظُلْمًا} منصوب مثله.
{فَانظُرْ}: الفاء فصيحة أو استئنافية، {انظُرْ} فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{عَاقِبَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع، وهو مضاف.
{الْمُفْسِدِينَ}: مضاف إليه مخفوض بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة كان الاستفهامية في محل نصب مفعول به لـ "انظر" المعلقة عن العمل اللفظي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك الختام للمشهد الموسوي والتمهيد لموكب داود وسليمان:
ختم قصة مواجهة موسى مع فرعون بهذا التشريح النفسي العميق، وبالتحذير الساطع من مصير المفسدين: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} بالغرق في اليم والهلاك والخزي.
ثم سينتقل النظم فوراً في الآية (15) إلى نموذج التمكين الصالح والعلم والشكر: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا}؛ ليقابل بين ملك فرعون المفسد الزائل بالجحود والعلو، وبين ملك داود وسليمان الصالح الباقي بالعلم والشكر والتواضع لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك جذور الإلحاد والجحود: أزمة أخلاق لا أزمة أدلة:
المحاكمة الفلسفية والنفسية العميقة:
هذه الآية تمثل أصلاً قرآنياً فذاً في كشف حقيقة الكفر والإلحاد عبر العصور:
المانع الحقيقي من الإيمان ليس خفاء الأدلة العقلية أو قصور البراهين الكونية والوحيانية؛ بل الأدلة مستيقنة في أعماق الفطرة والعقل: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ}.
المانع الحقيقي هو "أخلاقي نفسي": وهو {ظُلْمًا وَعُلُوًّا}؛ فالإنسان المستكبر يرفض فكرة وجود إله يُملي عليه الأوامر والنواهي، ويرفض التخلي عن شهواته ومصالحه وسلطانه المادي، فيلجأ إلى "الجحود اللساني" والإنكار الفكري كغطاء نفسي لتبرير فسقه وتمرده.
التقابل التضادي المعجز بين {جَحَدُوا} و{اسْتَيْقَنَتْهَا}:
طباق تضادي بين الجحود الظاهر باللسان واليقين المستقر في الباطن؛ مما يصور تمزق الكافر ونفاقه الداخلي وانفصامه النفسي المرير.
إسناد الاستيقان إلى {أَنفُسُهُمْ}: للدلالة على أن اليقين بلغ صميم ذواتهم ومكنون ضمائرهم.
التعقيب بـ {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}: أمر بالاعتبار والتدبر، وإشارة إلى أن كل من يسير على درب الظلم والعلو سيلقى نفس المصير المشؤوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه التعامل مع المعاندين:
أن يدرك الداعية أن كثيراً من الخصوم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكن يمنعهم الكبر والمصالح؛ فلا ييأس ولا يظن أن المشكلة في ضعف حجته، بل يركز على كسر حواجز الكبر وعلاج أمراض القلوب.
التحذير من العلو في الأرض: عاقبة الكبر والاستعلاء دمار ووبال في الدنيا والآخرة، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.