قال الطبري في "جامع البيان" (19/506)جامع البيانالطبري١٩/٥٠٦: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد لقومك يوم نجمع من كل قرن وقوم وجماعة كذّبت برسلنا فوجاً؛ يعني جماعة ورؤساء وقادة في الكفر والتكذيب بآياتنا، فهم يُوزعون؛ أي يُحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا فيساقوا جميعاً إلى النار".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/212)مصدر غير محدد٦/٢١٢: الفوج هم الرؤساء والمقدمون في الضلال الذين كذبوا بآيات الله وأضلوا أتباعهم، كما قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{نَحْشُرُ}: الحشر هو الجمع والسوق بقهر واضطرار.
{فَوْجًا}: الجماعة الكبيرة من الناس المتفقة في المقصد أو الضلال.
{يُوزَعُونَ}: من الوَزْع وهو الكفّ والمنع والردّ؛ أي يحبس أولهم حتى يلحقهم آخرهم لئلا يتفرقوا، فيساقون بنظام دقيق ذليل إلى الموقف والعذاب.
الإعراب:
{وَيَوْمَ}: مفعول به لفعل محذوف تقديره "واذكر يومَ"، أو ظرف متعلق بمحذوف تقديره "يقال لهم".
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، هم مبتدأ.
{يُوزَعُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من أشراط الساعة إلى أهوال القيامة:
بعد أن فصّل في خروج الدابة التي هي من أواخر أشراط الدنيا، نقل المشهد مباشرة إلى يوم الحشر والجزاء؛ ليرى المكذبون مصير كبرائهم وقادتهم الذين قلدوهم وعموا عن اتباع الرسل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين حشر الفوج وحشر الناس جميعاً:
محاكمة التوفيق التفسيري:
يزعم الطاعن أن قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا} يناقض قوله تعالى في سورة الكهف: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}؛
والجواب البين: أن يوم القيامة مواقف ومراحل متطاولة؛ فالحشر العام لكل الخلائق الأولين والآخرين مجمع عليه وهو حشر الموقف والجزاء {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}، أما حشر الفوج المذكور في هذه الآية فهو حشر خاص بقادة التكذيب ورؤوس الضلال من كل أمة ليساقوا إلى التوبيخ والسؤال أولاً وإلى منازل العذاب قبل أتباعهم إمعاناً في خذلانهم وإشهاداً لفضيحتهم أمام الخلائق؛ فلا تعارض بين الحشرين ألبتة.
استعمل التعبير نفسه سابقاً في جنود سليمان: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}؛ للمقابلة البيانية العظيمة: ففي الدنيا جمع سليماتي عزيز منظم في طاعة الله والجهاد في سبيله، وفي الآخرة حشر أذل مدحور لكبراء الكفر والظلم مقيدين محبوسين يساقون إلى نار الجحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة التزعم في الضلال والتبعية العمياء:
تحذير لكل من يتصدر لتكذيب الحق أو ترويج الباطل أنه سيكون في مقدمة المحشورين المحاسبين المنكل بهم يوم القيامة.
العدالة والانضباط الإلهي:
لا يفلت أحد من قبضة الله وسلطانه، ويساق كل فوج وفق مقداره في الإجرام والصد عن سبيل الله.