أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/514)جامع البيانالطبري١٩/٥١٤ بسنده عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ}: يعني كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، والتوحيد الخالص مع أداء الفرائض، {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}: أي فله جزاء خير منها بالفضل والتضعيف؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}: أمنهم الله من ذلك الفزع الأكبر يوم القيامة فلا يفزعون إذا فزع الناس.
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/215)مصدر غير محدد٦/٢١٥: الحسنة تشمل التوحيد وسائر الطاعات، وجزاؤها خير منها لأن ثواب الله ونعيمه الدائم لا يقاس بعمل العبد المنقطع؛ فهو فضل محض من الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{الْحَسَنَةِ}: كل قول أو عمل أو اعتقاد يرضي الله تعالى، ورأسها التوحيد.
{فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}: خيرية تفضيل؛ أي له ثواب وأجر عظيم هو خير من عمله وأعظم نفعاً ومثوبة.
{فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ}: الفزع المذكور في قوله السابق {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ}، وهو فزع النفخة وهول الموقف والنار.
{آمِنُونَ}: مطمئنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
الإعراب:
{مَن}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{جَاءَ}: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو.
{بِالْحَسَنَةِ}: متعلقان بـ{جَاءَ}.
{فَلَهُ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، له جار ومجرور خبر مقدم.
{خَيْرٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ (من).
{مِّنْهَا}: متعلقان بـ{خَيْرٌ}.
{وَهُم}: الواو حالية أو عاطفة، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{مِّن فَزَعٍ}: متعلقان بـ{آمِنُونَ}.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان مضاف إلى إذ، وهو مبني على الفتح أو الكسر لإضافته إلى غير متمكن، متعلق بفزع أو آمنون.
{آمِنُونَ}: خبر هم مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التناسب مع الاستثناء في الفزع:
بعد أن قال في الآية السابقة: {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ} فاستثنى طائفة من الفزع، جاءت هذه الآية مبيّنة ومفسّرة لمن هم هؤلاء المستثنون الناجون؛ وهم أهل التوحيد والعمل الصالح الذين جاؤوا بالحسنات؛ فأمنهم الله في يوم الخوف الأكبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يكون الجزاء خيراً من الحسنة والتوحيد لا شيء خير منه؟
محاكمة عقدية كلامية:
أشكل على بعض العلماء قوله: {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}؛ فقالوا: رأس الحسنة كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، ولا شيء في الوجود خير من التوحيد، فكيف يقال له خير منها؟!
والجواب المحكم من وجهين:
أن المراد بـ "خير منها" أي خيرية جزاء وإحسان ناشئة منها؛ أي له أجر جزيل مضاعف وثواب دائم حصل ببركة هذه الحسنة وسببيتها؛ فالنعيم الدائم والخلود والرضوان خير للعبد وأنفع له من عمله الدنيوي القاصر المنقطع.
أن "مِن" هنا ليست للتفضيل بل سببية؛ أي: فله خيرٌ عظيمٌ حاصلٌ بسبب هذه الحسنة ومن بركتها؛ فلا إشكال.
لم يقل "من عمل حسنة" بل قال {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ}؛ لأن العبرة ليست بمجرد إيقاع العمل في الدنيا، بل بسلامته وصيانته من المبطلات والرياء والعجب حتى يأتي به العبد سالماً وافياً بين يدي الله يوم القيامة.
تنكير {خَيْرٌ} و{فَزَعٍ}:
تنكير "خير" للتعظيم أي خير عظيم وفير لا يحيط به الوصف، وتنكير "فزع" للتهويل، مع إفادة الأمن التام لكل أنواع الفزع والأهوال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحفاظ على الحسنات وصيانتها:
على المؤمن ألا يفرح بمجرد العمل الصالح، بل يجتهد في حمايته من محبطات الأعمال كالرياء، والمنّ، والأذى، وظلم العباد، حتى يستطيع أن "يجيء" به يوم القيامة سالماً من التلف.
بشرى للمؤمنين:
وعد الله الحق بأن أهل التوحيد والفرائض في أمن وطمأنينة وسكينة في اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها.