أخرج الطبري (19/464)مصدر غير محدد١٩/٤٦٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لم يكتب أحد {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} حتى نزلت على سليمان بن داود؛ فلما أرسل كتابه إلى بلقيس كتب: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، فكانت البسملة في هذا الموضع آية من كتاب الله إجماعاً".
وأخرج الحاكم في المستدرك (2/400)مصدر غير محدد٢/٤٠٠ وصححه ووافقه الذهبي من حديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان لا يعلم فصل السورة حتى ينزل عليه: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}".
وقال ابن كثير (6/184)مصدر غير محدد٦/١٨٤: "أجمعت الأمة على أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} المذكورة هنا في سورة النمل آية تامة قطعية من كتاب الله؛ لأنها من جملة القرآن النازل بوحي الله في قصة كتاب سليمان لملكة سبأ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{مِن سُلَيْمَانَ}: تعريف بمصدر الكتاب، وبدأ بنفسه إشعاراً بهيبة النبوة والملك وأنه لا يهاب ولا يتردد في إعلان هويته.
{بِسْمِ اللَّهِ}: التبرك والاستعانة والابتداء باسم الله الأعظم الجامع لصفات الكمال.
{الرَّحْمَٰنِ}: ذو الرحمة التامة العامة لجميع الخلائق في الدنيا.
{الرَّحِيمِ}: ذو الرحمة الخاصة الواصلة بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها يعود على الكتاب.
{بِسْمِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن (تقديره مفتتح أو مبتدأ ببسم الله)، أو بفعل مقدر تقديره أكتب.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{الرَّحْمَٰنِ}: نعت للفظ الجلالة مخفوض بالكسرة.
{الرَّحِيمِ}: نعت ثانٍ مخفوض بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترتيب المحكم في مضمون الوثيقة النبوية:
بدأت ببيان صاحب الكتاب: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} ليعلم المخاطب من يخاطبه ومكانته وسلطانه.
ثم ثنّت ببيان المرجع الأعلى والغاية القصوى التي يستند إليها هذا السلطان: {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}؛ ليعلموا أن سليمان لا يدعو لنفسه ولا لترسيخ ملكه الشخصي، بل هو رسول يدعو باسم الإله العظيم الرحمن الرحيم.
وهذا الترتيب يعلي راية التوحيد على راية الملك والشخصية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كتابة الاسم قبل البسملة أو بعدها في رسائل الملوك:
مسألة فقهية تاريخية: هل كتب سليمان اسمه قبل البسملة، أم بدأت الرسالة بالبسملة وقرأت بلقيس: "إنه من سليمان" خبراً منها لقومها؟
المحاكمة والتحرير:
القول الأول: أن نص الكتاب بدأ بالبسملة: "بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان إلى بلقيس..."، وقولها {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} كان من كلام بلقيس تصف به الكتاب لوزرائها؛ وهذا صنيع النبي ﷺ في رسائله إلى الملوك (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم... بعد البسملة).
القول الثاني: أن سليمان بدأ باسمه ثم ثنى بالبسملة، وكلا الأمرين جائز شرعاً وعرفاً، والأول أرجح لموافقة سنة النبي ﷺ المطردة في رسائله لكسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس.
استهلال الكتاب باسمين من أسماء الرحمة {الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} في مقام الإنذار والطلب العسكري الحاسم يدل على أن الغاية من جهاد الأنبياء ودعوتهم ليست الانتقام وسفك الدماء، بل إفاضة الرحمة على البشرية وإنقاذهم من نيران الشرك.
تدبر بركة البسملة: كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر؛ فاستفتحت أعظم رسالة سياسية في التاريخ بأشرف اسم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوضوح والاعتزاز بالهوية الإسلامية:
في كل مخاطبات المسلم ينبغي أن يظهر انتسابه للتوحيد واعتزازه بدينه وبسملته؛ فلا يذوب في الأعراف العلمانية أو البروتوكولات الجاهلية التي تتنكر لذكر الله.
الرحمة في موضع الحزم: الداعية الحكيم يمزج بين قوة الطلب والوضوح وبين استحضار رحمة الله وسعتها.