أخرج الطبري (19/463)مصدر غير محدد١٩/٤٦٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري في قوله تعالى: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ}: "لما رأت بلقيس الكتاب وفيه خاتم الملك وبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، جمعت وجوه قومها وقادتهم وقالت: يا معشر الأشراف قد أُلقي إليّ كتاب شريف جليل القدر مختوم بطابع كريم، لم أر مثله فصاحة وهيبة".
وروى ابن أبي حاتم (8/2784)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٤ عن قتادة: "سُمي كريماً لأنه خُتم، وكانت الملوك لا تقرأ إلا كتاباً مختوماً؛ ولأنه بدأ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، واشتمل على الإيجاز مع عظيم المعنى والترفع عن الدنايا والتهديد بغير ظلم".
وقال ابن كثير (6/184)مصدر غير محدد٦/١٨٤: "وصفته بالكرم لعدة أسباب: إما لحسن خطابه وإيجازه وعفته، وإما لكونه مصدراً بالبسملة واسم ملك عظيم، وإما لكونه مختوماً بخاتم كريم؛ فإن النبي ﷺ لما أراد أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة نقشه (محمد رسول الله)".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْمَلَأُ}: وجهاء القوم وأشرافهم وقادتهم الذين يملؤون العين مهابة والمجالس وجاهة ورأياً.
{أُلْقِيَ}: جيء به وطُرح بطريقة عجيبة خارقة للعادة أدهشتها.
{قَالَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي (بلقيس).
{يَا}: حرف نداء. {أَيُّهَا}: أي منادى مبني على الضم، و"ها" للتنبيه.
{الْمَلَأُ}: نعت أو بدل لأي مرفوع بالضمة الظاهرة.
{إِنِّي}: إن واسمها.
{أُلْقِيَ}: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله مبني على الفتح.
{إِلَيَّ}: جار ومجرور متعلق بـ {أُلْقِيَ}.
{كِتَابٌ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
{كَرِيمٌ}: نعت لـ {كِتَابٌ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاعتراف المبدئي بهيبة الحق وعظمته:
النظم القرآني أبرز رجاحة عقل بلقيس وحصافتها؛ فلم تمزق الكتاب ولم تتكبر على من أرسله، بل وصفته فوراً بـ {كَرِيمٌ}، وعرضت الأمر على وزرائها وأشراف قومها.
وهذا يمهد لنهاية قصتها في إسلامها لله رب العالمين؛ فالنفس التي تقدر الكرم والفضيلة أقرب النفوس إلى الانقياد للحق إذا تبين لها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كرامة الافتتاح: افتتاحه بأقدس اسم في الوجود {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}.
كرامة المضمون: خلوه من حشو الكلام وفضول العبارات والسباب والشتائم التي اعتاد عليها جبابرة الملوك؛ بل جاء في كلمات معدودة جامعة للحزم والرحمة والدعوة للتوحيد {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}؛ وهذا غاية الكرم والسمو النبوي.
التنكير يفيد التعظيم البالغ؛ أي كتاب أيّ كتاب، لا يشبه كتب البشر ورسائلهم.
تدبر إنصاف المنصفين: حتى الكفار إذا ملكوا مسكة من عقل ونزاهة لا يسعهم إلا أن يعترفوا بجلال القرآن وكرم رسالات الأنبياء؛ فالحق يفرض احترامه على النفوس الحرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب المراسلة في الإسلام:
صياغة الرسائل الدعوية والسياسية بالوقار والعفة والوضوح، والبدء باسم الله، والترفع عن المهاترات.
فضيلة الشورى: الحاكم الرشيد لا يستبد بالأمر دون استشارة أهل الرأي والخبرة من قومه؛ ففي الشورى بركة وسلامة من العثار.