أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/489)جامع البيانالطبري١٩/٤٨٩ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}: "ثمود قبيلة عربية معروفة بديار الحجر بين الحجاز والشام، أرسل الله إليهم صالحاً وهو من أوسطهم نسباً وأشرفهم بيتاً، يدعوهم إلى كلمة التوحيد: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ}: وحده لا شريك له واخلعوا الأوثان، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}: فريق آمن به وصدقه وهم المستضعفون، وفريق كفر به وعانده وهم الكبراء والملأ المستكبرون".
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2793)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٣ عن السدي: "الخصومة كانت بين المؤمنين والمكذبين في شأن نبوة صالح والبعث بعد الموت وعبادة الأصنام؛ كما قال تعالى في سورة الأعراف: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ}".
وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/191)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/١٩١: "يخبر تعالى عن إرسال نبيه صالح إلى ثمود، ومضمون رسالته التوحيد الخالص، وكيف تحول المجتمع ببعثته إلى معسكرين متخاصمين: حزب الرحمن وحزب الشيطان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{ثَمُودَ}: اسم القبيلة العربية القديمة، سُميت باسم جدهم ثمود بن جاثر بن إرم، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (باعتبار القبيلة).
{أَخَاهُمْ}: أخوة النسب واللغة والدار، وليس أخوة الدين.
{فَرِيقَانِ}: تثنية فريق، وهو الجماعة المفروقة والمتميزة عن غيرها في الرأي والمنهج.
{يَخْتَصِمُونَ}: يختصم كل فريق مع الآخر بالحجاج والجدال، وبناء الافتعال يدل على المشاركة والتدافع الفكري والعقدي.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَلَقَدْ}: الواو عاطفة، اللام موطئة لقسم محذوف، "قد" حرف تحقيق.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{إِلَىٰ ثَمُودَ}: متعلق بـ {أَرْسَلْنَا}، ومجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{أَخَاهُمْ}: مفعول به منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
{صَالِحًا}: بدل أو عطف بيان لـ {أَخَاهُمْ} منصوب بالفتحة.
{أَنِ}: مفسرة لمعنى الإرسال (أو مصدرية ناصبة بحذف حرف الجر: بأن اعبدوا).
{اعْبُدُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب، والجملة لا محل لها تفسيرية.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة، "إذا" فجائية لا عمل لها.
{هُمْ}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{فَرِيقَانِ}: خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى.
{يَخْتَصِمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ {فَرِيقَانِ} (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من النموذج الملكي الصالح إلى النماذج المكذبة:
بعد أن استعرضت السورة النموذج الباهر للتمكين الإيماني والعلم والشكر مع داود وسليمان وملكة سبأ وإسلامها.
عادت السورة إلى سنن المكذبين ومصارع الجاحدين عبر قصة صالح في ثمود، وقصة لوط؛ لتبين أن هلاك الأمم يأتي نتيجة الاستكبار ومكر المفسدين بعد قيام الحجة؛ فيتكامل النظم بين ترغيب التمكين وترهيب الاستئصال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طبيعة الانقسام المجتمعي عند نزول الوحي:
محاكمة اجتماعية عقدية:
زعم المشركون أن دعوة الرسل تفرق المجتمع الواحد وتشيع الخصومة بين الأهل!
الرد الحاسم: الوحي إنما يفرق بين الحق والباطل؛ فالانقسام ليس غاية للرسالة بل هو نتيجة حتمية لمقابلة الحق بالاستكبار؛ فالمؤمن اختار الفطرة والتوحيد، والكافر اختار الهوى والشرك؛ فالتدافع سنة كونية لتمحيص الصادق من الكاذب ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.
مجيء "إذا" الفجائية بعد الأمر بعبادة الله مباشرة يدل على سرعة تمرد المعاندين ونشوب الخصومة فور وصول البلاغ، وكأن الانقسام حدث بغتة دون مهلة لتأمل الدليل.
التعبير بـ {فَرِيقَانِ} بصيغة التثنية المتقابلة يرسم حداً فاصلاً وواضحاً بين معسكري الإيمان والكفر؛ فلا توجد منطقة رمادية في أصل التوحيد.
تدبر أخوة النسب: وصف النبي بأنه "أخوهم" يذكرهم بشفقته عليهم ونزاهته عن الغدر بهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الداعية يجمع على الحق ولا يداهن في الثوابت:
واجب المصلح أن يصدع بالتوحيد ولو أدى ذلك إلى غضب المستكبرين وافتراق الناس فرقتين؛ لأن الوحدة على الباطل هلاك، والفرقة في سبيل الحق نجاة للمؤمنين.