قال ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/507)جامع البيانالطبري١٩/٥٠٧: "يقول تعالى ذكره: حتى إذا وافوا الموقف وجاءوا للحساب، قال الله لهم موبخاً ومقرعاً: أكذبتم بآياتي وحججي التي أنزلتها على رسلي، ولم تبلغوا كنه علمها ولا أحطتم بها علماً حتى تعلموا أهي حق أم باطل، بل بادرتم بالتكذيب جهلاً وعناداً؟! أم أي شيء كنتم تعملون في الدنيا غير التكذيب بآياتي؟!".
وبيّن ابن كثير في "تفسيره" (6/212)مصدر غير محدد٦/٢١٢: يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ عن علمهم وعملهم؛ فلم يكونوا من أهل العلم والإحاطة فيميزوا الحق، ولا كانوا من أهل العمل الصالح المنقاد؛ بل جمعوا بين الجهل المركب والتكذيب بالحق والعمل الخبيث.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر أو ابتداء؛ والغاية هنا لحبسهم وسوقهم المتلاحق.
{لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا}: لم تعرفوا حقيقتها ولم تفهموا براهينها فهماً تاماً محيطاً، بل كذبتم بها بمجرد هوى ونفرة جاهلية.
{أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: "أم" منقطعة بمعنى بل والهمزة، و"ماذا" اسم استفهام، والمراد الاستفسار التوبيخي عن أعمالهم الباطلة.
الإعراب:
{حَتَّىٰ}: حرف ابتداء يليه جملة شرطية.
{إِذَا}: ظرف زمان شرطي.
{جَاءُوا}: فعل وفاعل، والجملة في محل جر بالإضافة، وجواب الشرط: {قَالَ}.
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل ضمير يعود على الله جل جلاله، والجملة لا محل لها جواب إذا.
{أَكَذَّبْتُم}: الهمزة للاستفهام التقريعي التوبيخي، كذبتم فعل وفاعل.
{بِآيَاتِي}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ{كَذَّبْتُم}.
{وَلَمْ تُحِيطُوا}: الواو حالية، لم حرف جزم، تحيطوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{بِهَا}: متعلقان بـ{تُحِيطُوا}.
{عِلْمًا}: تمييز أو مفعول مطلق منصوب.
{أَمَّاذَا}: أم حرف عطف منقطع، ماذا اسم استفهام في محل نصب مفعول به مقدم لـ{تَعْمَلُونَ}، أو ما مبتدأ وذا موصول.
{كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: كان واسمها، وجملة تعملون خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وسياق المحاكمة:
بعد أن صوّر سوقهم المحكم المقيد {يُوزَعُونَ}، جاء المشهد التالي فور وصولهم {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا} ليبدأ الاستجواب والمحاكمة الربانية العادلة أمام الأشهاد؛ ليظهر عوار منهجهم الساقط وتهافت شبهاتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شناعة التكذيب بالشيء قبل معرفته والإحاطة به:
محاكمة معرفية منهجية:
أصل كل ضلال في التاريخ الإنساني هو مسارعة الإنسان إلى رفض الحق قبل أن يتدبره ويفهمه؛ كما قال تعالى في موضع آخر: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}؛ فالآية تؤسس قاعدة عقلية صارمة: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره والإحاطة به؛ فإذا كذب المرء بما لم يفهمه كان ظالماً معتدياً سفيهاً يستحق أشد التقريع والعذاب.