أخرج الطبري (19/435)مصدر غير محدد١٩/٤٣٥ عن قتادة ومجاهد في قوله: {يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، قال: ناداه ربه تبارك وتعالى يعرفه بنفسه، ويؤنسه من وحشته، ويعلمه أنه هو الإله الحق القاهر لكل شيء، الحكيم في تدبير أمره وخلقه.
وروى ابن أبي حاتم (8/2766)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٦ عن الحسن: "عرّف الله نبيه موسى بذاته العلية وبأسمائه الحسنى قبل أن يكلفه بأعباء الرسالة؛ ليثبت جأشه ويزول خوفه من الطغاة".
وقال ابن كثير (6/176)مصدر غير محدد٦/١٧٦: "أعلمه أن المنادي له والمخاطب هو ربه ومولاه، العظيم الذي لا إله غيره، العزيز الذي قهر كل شيء وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره".
{إِنَّهُ}: الهاء ضمير الشأن والقصة، للدلالة على فخامة الأمر وجلال الخبر المتلو.
{الْعَزِيزُ}: المنيع الغالب القاهر الذي لا يُرام جنابه، القادر على كفايتك ونصرتك على فرعون وجنوده.
{الْحَكِيمُ}: الصانع المتقن الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه المصلحة العليا والحكمة المطلقة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{يَا}: حرف نداء. {مُوسَىٰ}: منادى مبني على الضم المقدر على الألف في محل نصب.
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير الشأن مبني في محل نصب اسمها.
{أَنَا}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. والجملة الاسمية في محل رفع خبر إن المفسر لضمير الشأن.
{الْعَزِيزُ}: نعت أول للفظ الجلالة مرفوع بالضمة الظاهرة (أو خبر ثانٍ).
{الْحَكِيمُ}: نعت ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تثبيت النفس بالتعريف بأصل القوة قبل إلقاء التكاليف:
بعد أن نودي بـ {بُورِكَ مَن فِي النَّارِ}، جاء النداء الحاسم بالاسم الأعظم: {يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
وهذا الترتيب النظمي في غاية الحكمة؛ لأن موسى كان بشراً يرتجف من هول الظلمة والنار والنداء المفاجئ، فعرفه الله بنفسه وسكب في قلبه السكينة، وقرن النداء باسميه (العزيز الحكيم)؛ لأن المقام مقام إرسال إلى أعتى ملوك الأرض وأكثرهم بطشاً وهو فرعون، فاحتاج موسى إلى استحضار عزة الله التي تقهر كل متكبر، وحكمته التي تسير الأمور بمقاديرها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سماع موسى لكلام الله الحقيقي بلا واسطة:
عقيدة أهل السنة في إثبات التكليم: الله تعالى كلّم موسى تكليماً بصوت وكلام يليق بجلاله، سمعه موسى بأذنه ووعاه بقلبه بلا واسطة ملَك؛ كما قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا}.
محاكمة عقلية: لو كان الكلام من خلق الشجرة كما زعم المبتدعة، لكانت الشجرة هي القائلة: {إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ}، وهذا محال عقلاً وشرعاً؛ إذ لا يجوز لمخلوق أن يقول عن نفسه "أنا الله"، فتعين بيقين أن المتكلم هو رب العزة سبحانه وتعالى.
استُعمل في الجملة ضمير الشأن {إِنَّهُ} لإثارة الانتباه، ثم ضمير التكلم {أَنَا}، ثم الاسم العلم الأعظم {اللَّهُ}؛ وهذا أبلغ أساليب التعريف بالذات العلية وأعظمها إيقاعاً في النفوس.
تدبر أثر المعية: من كان ربه "العزيز الحكيم" معه، فكيف يخشى بطش فرعون وحبال سحرته؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ اليقين بالله قبل خوض معارك الحياة:
الداعية لا يستطيع الصمود أمام قوى البغي والطغيان إلا إذا امتلأ قلبه بعزة الله وحكمته.
أنس المناجاة: أعظم شرف يناله العبد هو الإقبال على ربه، واليقين بأنه سبحانه يسمع كلامه ويرى مكانه ويدبر أمره بحكمة بالغة.