أخرج الطبري (19/496)مصدر غير محدد١٩/٤٩٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "لما خرج أولئك النفر التسعة ليلاً إلى الغار أو الشعب الذي كان صالح يصلي فيه ليفتكوا به وأهله، أرسل الله ملائكة رضخوا رؤوسهم بالحجارة فقتلوهم شر قتلة قبل أن يصلوا إلى صالح، فلما أصبح قومهم وجدوهم موتى رضخاً، وعلموا بنزول العذاب فكان ذلك مكر الله بهم؛ {وَمَكَرُوا مَكْرًا}: بتدبير قتل صالح خفية، {وَمَكَرْنَا مَكْرًا}: بتعجيل إهلاكهم وحفظ نبينا من حيث لا يحتسبون، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: بما دبر الله لهم من الصاعقة والدمار".
وروى ابن أبي حاتم (8/2797)مصدر غير محدد٨/٢٧٩٧ عن قتادة: "مكر الله بهم أسرع من مكرهم؛ حفظ الله وليه وأهلك أعداءه بغتة وهم لا يشعرون".
وقال ابن كثير (6/193)مصدر غير محدد٦/١٩٣: "قابل الله مكرهم الخبيث بمكره العادل المحيط؛ فبينما هم يتربصون الفتك بنبي الله، إذا بالقدر الإلهي يحيق بهم ويهلكهم وهم في غفلة ساهون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{مَكَرُوا}: المكر في حق المخلوق هو السعي بالخديعة والتدبير الخفي للإضرار بالغير بغير حق.
{مَكَرْنَا}: المكر في حق الله تعالى هو استدراج الظالمين ومجازاتهم على مكرهم وتدبير هلاكهم من حيث لا يحتسبون جزاء وفاقاً وعدلاً محضاً.
{وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: في غفلة تامة وجهل بما ينتظرهم من العقاب الفوري.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَمَكَرُوا}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{مَكْرًا}: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة للتأكيد والتهويل.
{وَمَكَرْنَا}: عاطف وفعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{مَكْرًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة للتعظيم.
{وَهُمْ}: الواو حالية، {هُمْ} مبتدأ.
{لَا يَشْعُرُونَ}: نافية ومضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين كيد العبيد وتدبير رب الأرباب:
قابل النظم القرآني بين مكرين:
مكر المجرمين التسعة بتبييت صالح: {وَمَكَرُوا مَكْرًا}.
ومكر الله القاهر بحفظ نبيه وتدميرهم: {وَمَكَرْنَا مَكْرًا}.
وهذا يعطي النفس طمأنينة مطلقة بأن المكر البشري مهما بلغ من الدقة والتكتم والخبث، فإن مكر الله محيط به وسيبطله ويجعله سبباً في هلاك أصحابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه صفة "المكر" في حق الله تعالى:
محاكمة عقدية لأهل السنة والجماعة:
صفة المكر من الصفات المقيدة التي لا تطلق على الله استقلالاً، بل تُطلق في موضع المقابلة والجزاء العادل لمن يمكر؛ كقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
ومكر الله عدل، وحكمة، وقوة، وإحقاق للحق وإبطال للباطل؛ بخلاف مكر المخلوق الذي هو خسة، وغدر، وظلم؛ فشتان بين المكرين! والمشاكلة اللفظية هنا لبيان المجازاة بمثل العمل.
تنكير "مكراً" الأول للتهويل والفظاعة في الخبث والجريمة.
وتنكير "مكراً" الثاني للتعظيم والفخامة في القدرة والإحكام والعدل الإلهي.
الجملة الحالية {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: تصور المفاجأة الصاعقة التي أطاحت بآمالهم؛ فبينما يظنون أنهم في أوج الانتصار والتحكم، كان حبل المشنقة يلتف حول أعناقهم.