أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/442)جامع البيانالطبري١٩/٤٤٢ بسنده عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا}: "آتاهما الله علم القضاء والحكم بالعدل، وفصل الخطاب، ومنطق الطير، وصنعة اللبوس لداود، وتسخير الريح والشياطين لسليمان، مع النبوة والكتاب".
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2771)مصدر غير محدد٨/٢٧٧١ عن عطاء وعكرمة: "{وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}: أي فضلنا بالعلم والنبوة وتسخير ما لم يسخره لأحد؛ وفي هذا إقرار بالفضل لأهله وتواضع لله رب العالمين".
وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/178)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/١٧٨: "ينبه تعالى على ما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان عليهما السلام من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة والصفات الحميدة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين في الأرض، مع النبوة والرسالة؛ ولهذا قابلا تلك النعم بالشكر والاعتراف، فقالا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{آتَيْنَا}: أعطينا ووهبنا هبة ربانية خاصة، وفيه نسبة العطاء إلى الله الدالة على عظم الموهبة.
{عِلْمًا}: تنكير للتعظيم والنوعية؛ أي علماً لدنياً شريفاً رفيع القدر متصلاً بالحقائق والحكم وفصل القضاء ومصالح الدين والدنيا.
{فَضَّلَنَا}: التفضيل هو التقديم والتخصيص بمزيد من الكرامات والخصائص الذاتية والعلمية.
{عَلَىٰ كَثِيرٍ}: تقييد بـ "كثير" دون "كل" أدباً مع المقامات النبوية العالية كأولي العزم من الرسل (إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام).
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق.
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل في محل رفع فاعل.
{دَاوُودَ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة (ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة).
{وَسُلَيْمَانَ}: معطوف منصوب بالفتحة.
{عِلْمًا}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَقَالَا}: الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل.
{الْمُؤْمِنِينَ}: نعت لـ {عِبَادِهِ} مخفوض وعلامة خفضه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التاريخي والتربوي بين نمطين من الملك:
في الآيات السابقة (7 - 14) عرض مشهد فرعون وملكه المادي القائم على الفسق، والجحود، والاستعلاء الأجوف، والمآل إلى الغرق وسوء العذاب.
وهنا في الآية (15) يفتتح موكب داود وسليمان ليقدم النموذج الإيماني الأسمى للحكم والخلافة في الأرض: مُلْكٌ مبني على العلم، والعدل، والشكر، والتواضع لرب العالمين.
وهذا يرسخ حقيقة أن المذموم في شرع الله ليس حيازة القوة والملك، بل المذموم هو توظيفهما في البطر والظلم والإفساد في الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أدب النبوة في قولهما {عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}:
محاكمة نقدية لأدب التفضيل: لماذا قالا {عَلَىٰ كَثِيرٍ} ولم يقلا "على عباده" على سبيل الإطلاق؟
الجواب: هذا منتهى الأدب والدقة العقلية والشرعية؛ فلو قالا "على عباده" لربما توهم متوهم أنهما يفضلان نفسيهما على سائر الأنبياء والمرسلين ومنهم أولو العزم كإبراهيم ونوح وموسى وخاتمهم محمد عليهم السلام؛ فقيدا التفضيل بـ {كَثِيرٍ} اعترافاً بأن في الأنبياء من هم أفضل منهما مرتبة ودرجة عند الله، وفي الوقت ذاته أثبتا فضل الله عليهما على عامة الخلق ومؤمنيهم بالعلم والملك والنبوة.
تنكير العلم للتعظيم؛ فالعلم الذي آتاهما الله علم رفيع الشأن، جامع بين مصالح الشريعة وسياسة الدنيا.
تقديم الشكر والاعتراف بالفضل {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ} يدل على أن شكر النعمة هو الحارس الحقيقي لبقائها وبركتها.
تدبر قيمة العلم: لم يفتخرا بالعرش ولا بالجيوش ولا بالخيل والذهب، بل افتخرا بالعلم وحمدا الله عليه؛ مما يدل على أن العلم هو أشرف المواهب وأرفع المقتنيات الإنسانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر النعمة أمان من البطر والغرور:
كل نعمة يمنحها الله للعبد (علماً، أو مالاً، أو جاهاً) توجب عليه مزيداً من التواضع والانكسار للمنعم، وتوجيهها في خدمة عباده.
فضل العلم ومكانة أهله: العلم هو الميزة الحقيقية التي يفضل الله بها العباد ويرفع بها درجاتهم، والعالم الرباني هو الذي يرى علمه فضلاً من الله لا بجهده الشخصي.