أخرج الطبري (19/508)مصدر غير محدد١٩/٥٠٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: "أي أهذه الأوثان التي تعبدونها خير، أم الذي خلق السماوات بارتفاعها وزينتها والأرض باستقرارها وفجاجها؟! {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً}: مطراً تحيا به البلاد، {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ}: بساتين نضرة ذات حسن ورونق وبهجة تبتهج بها النفوس وتسر برؤيتها، {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا}: ما كانت لكم قدرة ولا حيلة على إنبات شجرة واحدة منها لولا فضل الله ورحمته، {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}: أمع الله معبود أو شريك أحدث شيئاً من هذا؟! {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}: أي يعدلون بالله غيره ويسوون به الأنداد في العبادة جهلاً وضلالاً".
وروى ابن أبي حاتم (8/2805)مصدر غير محدد٨/٢٨٠٥ عن عكرمة: "{ذَاتَ بَهْجَةٍ}: أي ذات حسن ونضارة ومنظر بهيج".
وقال ابن كثير (6/195)مصدر غير محدد٦/١٩٥: "هذا البرهان الأول من براهين التوحيد؛ لفت لأنظارهم إلى خلق الأجرام العظام، وإنزال الغيث، وإنبات الحدائق البهيجة المتباينة الطعوم والألوان، مع عجز البشر التام عن استنبات شجرة واحدة بغير ماء الله وقدرته، ثم وبخهم على شركهم وعدولهم عن الحق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَمَّنْ}: أصلها "أم" المنقطعة أُدغمت في "مَنْ" الموصولة؛ والمعنى: بل من خلق السماوات والأرض خير أم شركاؤكم؟
{حَدَائِقَ}: جمع حديقة، وهي البستان المحوط عليه بجدار ذو الشجر والنخيل والرياحين.
{بَهْجَةٍ}: البهجة حسن المنظر ورونقه الذي يملأ النفس سروراً وانبساطاً وارتياحاً.
{يَعْدِلُونَ}: من العدل، وهنا بمعنى الميل والانحراف والتسوية؛ يُقال: عدل عن الطريق إذا مال عنه وزاغ، وعدل الشيء بالشيء إذا سواه به وشبهه به؛ وكلاهما مراد: عدلوا عن الحق، وسووا الخالق بالمخلوق.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَمَّنْ}: "أم" حرف عطف وإضراب، "مَنْ" اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف تقديره "خير ممن تشركون".
{خَلَقَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة.
{وَأَنزَلَ}: معطوف على "خلق".
{لَكُم}: متعلق بـ {أَنزَلَ}.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: متعلق بـ {أَنزَلَ}.
{مَاءً}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَأَنبَتْنَا}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل (التفات من الغيبة إلى التكلم لإظهار عظمة الصنع).
{بِهِ}: متعلق بـ {أَنبَتْنَا}.
{حَدَائِقَ}: مفعول به منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع).
{ذَاتَ}: نعت لـ {حَدَائِقَ} منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{بَهْجَةٍ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{مَّا}: نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{لَكُمْ}: متعلق بمحذوف خبر كان مقدم.
{أَن تُنبِتُوا}: المصدر المؤول في محل رفع اسم كان مؤخر، وتنبتوا مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل.
{شَجَرَهَا}: مفعول به لـ "تنبتوا"، والها مضاف إليه.
{مَّعَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال.
{هُمْ}: مبتدأ.
{قَوْمٌ}: خبر المبتدأ.
{يَعْدِلُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة نعت لـ {قَوْمٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات المعجز من الغيبة إلى التكلم:
قال أولاً: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ} بصيغة الغيبة، ثم التفت مباشرة إلى صيغة المتكلم المعظم: {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ}.
وسر هذا الالتفات إبراز المباشرة الإلهية لعملية الإنبات والتفنن في ألوان الزروع والثمار وخلق الحياة من العدم؛ فكأنه يقول: انظروا إلى صنعتنا المباشرة التي تبهر العيون وتأسر القلوب!
ثم يعقب بالاستفهام التوبيخي الذي يتكرر كلازمة إيمانية: {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عجز البشر المطلق عن خلق الحياة:
محاكمة علمية معاصرة:
الإنسان يحرث الأرض، ويبذر الحبة، ويسوق الماء؛ لكن هل يملك أحد من البشر، أو كل معامل الدنيا ومختبراتها مجتمعة أن تنبت شجرة من العدم، أو تجعل في البذرة الجافة الميتة حياة ونمواً وخلايا خضراء تتغذى بالضوء وتثمر فاكهة بألوان وطعوم شتى؟!
{مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا}؛ نفي قاطع مسجل في كتاب الله يعجز البشرية إلى يوم القيامة؛ فالإنبات سر الحياة وسر الخالق وحده.
لم يقل: "حدائق ذات ثمار" فقط، بل قال {ذَاتَ بَهْجَةٍ}؛ تنبيهاً على الوظيفة الجمالية والروحية للطبيعة والزروع؛ فالأشجار ليست للغذاء فقط، بل لإدخال البهجة والسرور والسكينة على النفوس والتأمل في جمال الخالق.
ختام الآية بـ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}: إيجاز بليغ يجمع بين انحرافهم عن التوحيد وتسويتهم المخلوق العاجز بالخالق القادر.
تدبر بديع الصنع: كل ورقة شجر وكل زهرة متفتحة ناطقة بالتوحيد شاهدة بأن لا إله إلا الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذوق الجمال الإلهي في الكون:
الإسلام دين يرعى الجمال ويغرس في قلب المؤمن حب التأمل في خضرة الأشجار وبهجة الأزهار شريطة أن تقود إلى تعظيم المبدع سبحانه.
فضل الزراعة وعمارة الأرض: تذكير بنعمة الغيث والأقوات التي يقيم الله بها حياة العباد، مما يوجب شكر المنعم واستغلال الموارد في طاعته.