أخرج الطبري (19/448)مصدر غير محدد١٩/٤٤٨ عن قتادة في قوله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا}: "تبسم إعجاباً بفصاحتها، وحسن تحذيرها لقومها، وحسن ظنها به وبجنوده؛ وسروراً بما خصه الله به من فهم منطقها".
وروى ابن أبي حاتم (8/2775)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٥ عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {رَبِّ أَوْزِعْنِي}: "أي ألهمني وحثني واكفف جوارحي إلا على شكر نعمتك، وأن تكلاني إلى ذلك أبداً".
وقال ابن كثير (6/180)مصدر غير محدد٦/١٨٠: "هذا دعاء جامع عظيم النفع؛ سأل فيه التوفيق لدوام شكر نعم الله عليه وعلى والديه، والعمل الصالح المقبول المرضي، وحسن الخاتمة والخلود في زمرة الصالحين برحمة الله وفضله لا بمجرد عمله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{فَتَبَسَّمَ}: التبسم مبادئ الضحك وهو انبساط الوجه وظهور الأسنان بغير صوت، وهو هدي الأنبياء.
{ضَاحِكًا}: حال مؤكدة أو مبينة للانتهاء؛ أي جاوز مجرد التبسم الرقيق إلى مشارف الضحك إعجاباً وفرحاً.
{أَوْزِعْنِي}: الإيزاع في اللغة هو الحبس والكف والإلهام؛ أي احبسني عن كل ما لا يرضيك واجعلني حريصاً ملازماً لشكرك، أو ألهمني ذلك إلهاماً.
{وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ}: التوسل بالرحمة لا بمجرد العمل؛ فالجنة لا يدخلها أحد إلا برحمة الله.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَتَبَسَّمَ}: الفاء عاطفة تفريعية، {تَبَسَّمَ} فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{ضَاحِكًا}: حال منصوبة من الفاعل المستتر، وعلامة نصبها الفتحة.
{مِّن قَوْلِهَا}: جار ومجرور متعلق بـ {تَبَسَّمَ}.
{وَقَالَ}: عاطف ومعطوف.
{رَبِّ}: منادى محذوف منه حرف النداء منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة مضاف إليه.
{أَوْزِعْنِي}: فعل دعاء مبني على السكون، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{أَنْ أَشْكُرَ}: "أن" مصدرية ونصب، {أَشْكُرَ} مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {أَوْزِعْنِي}.
{نِعْمَتَكَ}: مفعول به لـ "أشكر"، والكاف مضاف إليه.
{الَّتِي}: اسم موصول نعت لـ "نعمتك".
{أَنْعَمْتَ}: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول.
{عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَنْعَمْتَ}، ومعطوف عليه مجرور بالياء لأنه مثنى.
{وَأَنْ أَعْمَلَ}: معطوف على "أن أشكر"، والمصدر المؤول معطوف.
{صَالِحًا}: مفعول به منصوب (أو صفة لمفعول مطلق محذوف: عملاً صالحاً).
{تَرْضَاهُ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة نعت لـ {صَالِحًا}.
{وَأَدْخِلْنِي}: عاطف ودعاء، والنون للوقاية والياء مفعول به.
{بِرَحْمَتِكَ}: الباء للسببية أو الملابسة، ورحمتك مجرور ومتعلق بـ {أَدْخِلْنِي}.
{فِي عِبَادِكَ}: متعلق بـ {أَدْخِلْنِي}.
{الصَّالِحِينَ}: نعت مخفوض بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
من الابتهاج الفطري إلى المحراب الروحي الضارع:
ما أعظم هذا الانتقال النظمي؛ بدأ بموقف بشري لطيف أثار دهشته وفرحه وهو كلام النملة: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا}، فلم يشغله ذلك الابتهاج عن استحضار المنعم، بل انثنى فوراً في ذات اللحظة إلى التضرع والدعاء والانكسار: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شكر نعمة الوالدين وتوارث الصلاح:
محاكمة تربوية: لماذا قرن شكر نعمته على نفسه بشكر النعمة على والديه {عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ}؟
الجواب: لأن صلاح الوالدين وهدايتهما وتربيتهما الإيمانية أعظم نعمة ينالها الولد بعد توفيق الله؛ فسليمان نبي ابن نبي (داود عليهما السلام)، ونعمة الملك والنبوة كانت امتداداً لفضل الله على هذا البيت الصالح؛ فكان من تمام الوفاء والبر أن يشرك والديه في الشكر والدعاء.