أخرج الطبري (19/452)مصدر غير محدد١٩/٤٥٢ عن ابن عباس وقتادة في قوله: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا}: قال: "بنتف ريشه وتشميسه لئلا يقدر على الطيران ويسرح مع النمل، {أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ}: بقطع عنقه، {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: أي بحجة واضحة وعذر قاطع يبين سبب غيبته".
وروى ابن أبي حاتم (8/2776)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٦ عن السدي ومجاهد: "{بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: ببينة وعذر ظاهر يُعذر به في تخلفه عن النوبة والمسير".
وقال ابن كثير (6/181)مصدر غير محدد٦/١٨١: "توعده سليمان بالعقوبة على غيبته بغير إذنه؛ لئلا يتجرأ غيره من الجند على التخلف، ولكنه علق العقوبة بشرط العدل وهو عدم وجود الحجة؛ وهذا من كمال إنصافه وعدله في الحكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{لَأُعَذِّبَنَّهُ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، والفعل مؤكد بنون التوكيد الثقيلة للدلالة على الجزم والحزم في معاقبة المخالف.
{عَذَابًا شَدِيدًا}: عقوبة مؤلمة رادعة دون القتل (كنتف الريش والتفريق بينه وبين إلفه).
{لَأَذْبَحَنَّهُ}: أقصى العقوبة وهي إزهاق روحه إذا كان تخلفه عصياناً وتمرداً.
{بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: السلطان هو الحجة والبرهان القاطع الذي له سلطة وقهر على العقول في إثبات العذر، والمبين الموضح لصدقه.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{لَأُعَذِّبَنَّهُ}: اللام واقعة في جواب قسم محذوف، {أُعَذِّبَنَّهُ} فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، والهاء مفعول به.
{عَذَابًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة.
{شَدِيدًا}: نعت لـ {عَذَابًا} منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَوْ}: حرف عطف للتخيير والترديد في الجزاء.
{لَأَذْبَحَنَّهُ}: معطوف على الفعل الأول مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والهاء مفعول به.
{أَوْ}: حرف عطف.
{لَيَأْتِيَنِّي}: اللام واقعة في جواب القسم، {يَأْتِيَنِّي} مضارع مبني على الفتح لاتصاله بالنون، والنون للوقاية والياء مفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الهدهد. (وقرأ ابن كثير: {لَيَأْتِيَنِّي} بنون مشددة بعدها ياء، والباقون بنون واحدة مخففة مكسورة بعدها ياء).
{بِسُلْطَانٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَأْتِيَنِّي}.
{مُّبِينٍ}: نعت لـ {سُلْطَانٍ} مخفوض بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وهذا الترتيب يعطي الصورة الكاملة للعدالة النبوية: هيبة وحزم لا يعرفان التهاون، مع إنصاف وقضاء لا يغفل سماع حجة المتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سلطان الحجة يعلو على سطوة القوة والسلطان:
محاكمة أصولية وقضائية عظيمة:
سمى القرآن الحجة والبرهان {سُلْطَانٍ}؛ لأن الحجة المقنعة تملك سلطاناً يغلب سلطان الملوك وجيوشهم.
سليمان عليه السلام وهو الملك المطاع الذي تسخر له الريح والجن والإنس، يُخضع نفسه وسلطانه لسلطان الحجة؛ فإذا جاء الطائر الصغير الضعيف بحجة بينة سقط عنه الوعيد وحصل على الأمان؛ وهذا قمة العدل القضائي في الإسلام؛ فلا عقوبة مع قيام العذر المعتبر.
تكرار اللام ونون التوكيد في الأفعال الثلاثة {لَأُعَذِّبَنَّهُ... لَأَذْبَحَنَّهُ... لَيَأْتِيَنِّي} يرسم صورة الحزم القيادي الصارم الذي لا يدع مجالاً للعبث في الجيوش ومرافق الدولة.
تدبر أثر الإنصاف: الشريعة لا تعاقب على الشبهة، بل تفسح المجال لسماع الدفوع والأعذار قبل إنفاذ الأحكام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحزم في الإدارة مع العدالة المطلقة:
القائد الناجح يجمع بين الصرامة في المحاسبة والعدل في إعطاء الفرصة للمخطئ ليدلي بحجته وعذره.
سيادة القانون والحجة: في المجتمع الإيماني لا يعلو أحد فوق الحق والبرهان، والضعيف قوي بحجته، والقوي ضعيف إذا جانبه الحق.