أخرج الطبري (19/436)مصدر غير محدد١٩/٤٣٦ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في قوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ}: أمره الله أن يلقي عصاه ليريه آية باهرة تدل على قدرته وتدربه على مواجهة السحرة، {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ}: انقلبت حية عظيمة صفراء تسعى بسرعة فائقة كأنها الجان وهو الدقيق السريع من الحيات، {وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ}: هرب موسى من هولها خائفاً ولم يلتفت وراءه لشدة فزعه، فناداه ربه: {يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}.
وروى ابن أبي حاتم (8/2767)مصدر غير محدد٨/٢٧٦٧ عن السدي: "{وَلَمْ يُعَقِّبْ}: أي لم يرجع ولم يلتفت، فقال الله له: يا موسى أقبل ولا تخف".
وقال ابن كثير (6/176)مصدر غير محدد٦/١٧٦: "كانت عصا موسى جريدة من خشب، فلما ألقاها تحولت حية عظيمة هائلة ثعباناً مبيناً، مع خفة حركة وسرعة عجيبة كأنها جان؛ فلما عاينها طار عقله وولى هارباً بفطرته البشرية، فثبته الله وآمنه وأخبره أن الرسل في أمان في حضرة القرب الإلهي".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{عَصَاكَ}: عود الخشب الذي يتوكأ عليه، وأضيفت إليه لملابسته الدائمة لها.
{تَهْتَزُّ}: تتحرك حركة شديدة سريعة تدل على الحيوية والنشاط.
{جَانٌّ}: نوع من الحيات يتميز بالخفة والسرعة والنشاط الفائق، وقيل: الحية الصغيرة السريعة الحركة؛ فشبهت بالثعبان في ضخامته، وبالجان في سرعة انقلابه وحركته.
{وَلَّىٰ مُدْبِرًا}: أعطى دبره هارباً.
{وَلَمْ يُعَقِّبْ}: من التَّعْقِيب، وهو الرجوع أو الالتفات في السير؛ أي لم يلتفت وراءه من شدة الفزع.
{لَدَيَّ}: ظرف مكان بمعنى عندي، والمراد في حضرة المناجاة والقرب الإلهي وتبليغ الرسالة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَأَلْقِ}: الواو عاطفة، {أَلْقِ} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{عَصَاكَ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والكاف مضاف إليه.
{فَلَمَّا رَآهَا}: الفاء عاطفة، "لما" حينية شرطية، {رَآهَا} فعل ماض ومفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو.
{تَهْتَزُّ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل نصب حال من ضمير المفعول في "رآها" (أو مفعول ثانٍ إن كانت الرؤية قلبية).
{كَأَنَّهَا}: كأن حرف تشبيه ونصب، والهاء اسمها.
{جَانٌّ}: خبر كأن مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال ثانية.
{وَلَّىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة جواب لما لا محل لها.
{مُدْبِرًا}: حال منصوبة من الفاعل المستتر في "ولى".
{وَلَمْ يُعَقِّبْ}: الواو حالية أو عاطفة، {لَمْ} حرف نفي وجزم وقلب، {يُعَقِّبْ} مضارع مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر، والجملة حالية.
سر التشبيه بـ {كَأَنَّهَا جَانٌّ} وأدب المعية الإلهية:
التشبيه بكأن لإبراز سرعة الاهتزاز والاضطراب المخيف الذي أذهل موسى.
قوله تعالى: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} قاعدة قرآنية كبرى: حضرة القرب الإلهي هي موطن الأمان المطلق؛ فمن كان مع الله وفي جواره لم يخف من شيء في الوجود.
تدبر الطبيعة البشرية للأنبياء: موسى ولى هارباً بفطرته الإنسانية؛ فالخوف الطبيعي من المخاوف الحسية لا ينافي مقام النبوة وكمال الإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدريب والتأهيل قبل خوض الميادين الكبرى:
درس تربوي ودعوي بليغ: على الداعية والقائد أن يعد نفسه ورجاله بالتجارب المصغرة والتدريب العملي قبل النزول إلى ساحات المواجهة الحاسمة.
الأمن النفسي بالله: إذا استشعر المؤمن أنه في رعاية الله وتحت ناظره تلاشت من قلبه مخاوف البشر، واستعلى بإيمانه على كل تهديد.