أخرج الطبري (19/503)مصدر غير محدد١٩/٥٠٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "فلما وعظهم لوط وأنكر عليهم فاحشتهم لم تكن لهم حجة ولا جواب إلا الاستكبار والبطش؛ فقال بعضهم لبعض: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}: أي أخرجوهم ونفوهم من بلادكم لأنهم يتنزهون عن إتيان أدبار الرجال وعن أفعالكم وقاذوراتكم؛ فعابوهم بأشرف خصلة وهي الطهارة والعفاف!".
وروى ابن أبي حاتم (8/2800)مصدر غير محدد٨/٢٨٠٠ عن قتادة: "عابوهم بغير عيب، وجعلوا أعظم الفضائل جريمة توجب النفي والإبعاد؛ فسبحان من يقلب قلوب أهل الباطل حتى يروا النقاء رجساً، والخبيث طيباً!".
وقال ابن كثير (6/194)مصدر غير محدد٦/١٩٤: "ما كان جوابهم إلا السفه والوقاحة والتهديد بالنفي والإبعاد؛ قائلين على سبيل التهكم والسخرية: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}؛ أي يتنزهون عما نصنع، فلا يصلحون لمجاورتنا؛ فأخرجوهم من بين أظهركم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَخْرِجُوا}: أمر بالطرد والنفي القسري من الدار والوطن.
{آلَ لُوطٍ}: أهله وأتباعه المتمسكون بدينه وعفافه.
{يَتَطَهَّرُونَ}: يتنزهون ويتكلفون الطهارة والنقاء من الفواحش والقاذورات.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَمَا}: الفاء عاطفة، "ما" نافية لا عمل لها.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{جَوَابَ}: خبر كان مقدم منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{قَوْمِهِ}: مضاف إليه مخفوض، والهاء مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{أَن}: مصدرية ناصبة.
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والمصدر المؤول {أَن قَالُوا} في محل رفع اسم كان مؤخر.
{أَخْرِجُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{آلَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{لُوطٍ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{مِّن قَرْيَتِكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَخْرِجُوا}، والكاف مضاف إليه.
{إِنَّهُمْ}: إن واسمها، والجملة تعليلية للأمر بالإخراج.
{أُنَاسٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَتَطَهَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ {أُنَاسٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفلاس الحجة واللجوء إلى منطق الإلغاء والاستئصال:
بعد أن واجههم لوط بالحقائق الساطعة: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ... أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ}.
عجزوا عن تقديم أي برهان عقلي يبرر فاحشتهم؛ فكانت النتيجة الحتمية للإفلاس الفكري: اللجوء إلى القمع والطرد والنفي: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ}.
وهذا يكشف عجز الباطل حين يقف عارياً أمام نور الحق؛ فلا يجد ملاذاً إلا البطش بالناصحين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انقلاب الموازين الأخلاقية عند المجتمعات المنحلة:
محاكمة فكرية وسيكولوجية بالغة العمق:
ذروة الانتكاس العقلي والأخلاقي تظهر في قولهم: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}؛ جعلوا الطهارة "جريمة وتهمة" تستوجب العقاب والإبعاد!
وهذا هو عين ما تمارسه الديكتاتوريات الثقافية المعاصرة حين تجرم العفاف والحجاب والتمسك بالقيم الفطرية، وتتهم المتمسكين بدينهم بالرجعية والتطرف ورفض الحداثة؛ فالتاريخ يعيد نفسه؛ لأن وجود الأطهار يزعج ضمائر الفجار ويفضح نتنهم.
الحصر يفيد تمحض ردهم في هذه الوقاحة وانعدام أي شبهة عقلية لديهم.
قولهم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}: قالوها على سبيل السخرية والاستهزاء والتهكم؛ فانقلبت عليهم وصارت شهادة حق من ألسنة أعدائهم بنقاء لوط وآله وعفتهم.
تدبر شهادة الخصم: "والفضل ما شهدت به الأعداء"؛ اعترف أعداؤهم بطهارتهم ونقائهم حتى وهم يريدون نفيهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات على الطهارة في بيئات الرذيلة:
على المؤمن العفيف ألا يخجل من نقائه وطهارته واستقامته ولو انقلبت موازين أهل الأرض وصار العفاف تهمة والشذوذ حرية.